اذكروني عند موتي (اذكرني بخير)

 


ربما تحدثت بشأن مسألة الأثر أكثر من مرة، لأنها مسألة تشغلني ولعل أظهرها في منشور حب وراء الأشجار ومنشور حديث مع النفس، لا أدري لماذا يشغلني الأمر، لكن ربما هو نتيجة تربية كانت العناوين الرئيسة فيها الأثر وهم الأمة إلخ.. 


ربما أيضا أشعر بانعدام الثقة في أنني عندما أذهب إلى قبري لن أجد من يقف بجانبه، لن أجد من يذكرني، أشعر أنني عندما أموت لن يكون هناك فارقا أن أطّلع على بعض من حال الدنيا أو أن أجهله، فكلاهما سواء لأني لست جزءا من ذاكرة هذا العالم وذكراه، ثم أرجع إلى نفسي مرة أخرى وأقول لم ليس لي أثر؟ 


وكأن نفسي كلما اطمأنت ترنو إلى شيء يجعلها لوّامة، بل ومنذ متى اطمأنت وهي تبحث عن كل نقص وعيب في كل كمال تجده، إن اختيار أن يكون لك أثر ظاهر ليس بالأمر بالسهل، بل ربما هو ليس بيدك، وقد ذكرت ما حدث مع الليث، بل الأمر أكبر من ذلك، ولن تعدم أن تبحث عن أديب في جيل طه حسين والرافعي وغيرهم لم ينل من الحظ مثل ما نالوه، أو تجد في جيل المتنبي من الشعراء من شغل المتنبي الناس عنهم وأخمد ذكرهم بذكره، فلم يكن الأمر ذنبهم، إن مسألة أن يبقى ذكرك ليست لك، بل عندما أعدت التفكير فيها وجدتها ليست هدفا، ثم من جانب آخر أفكّر لما لا أطمئن لأحد يقف عند قبري، لم لا أجد واحدا ممن أعرفهم متحفزا، لربما أفكّر في أن كل من دعاني من أصحابي إلى خطوبته وإلى فرحه لم أستجب لواحد منهم! ربما عندما يسمع بخبر وفاتي يقول لم يأتِ إلى زفافي إذا لن أذهب له، الأمر يعتمد على الجميل وردّه لو آتاني لذهبت إليه.. إذا الأمر يتطلب مني أن أكون أكثر انفتاحا واجتماعية، لكي أذهب لكل زملائي وأكوّن العلاقات لكي أجد عددا عند قبري، أو ربما أقوم بترشيح نفسي لمجلس الشعب، أو أن أكون رئيسا، لو تدري لو كان الأمر بالعدد فعبد الناصر كان في جنازته العديد والعديد من الأشخاص، لكن يا صديقي حتى وإن تخلّفت عنك في زفافك فصدقني لو كنت مت قبلي لن أتخلف عن قبرك، المسألة فقط أني أحب الأحزان.. 


ثم أعدت السؤال على نفسي تارة أخرى لمَ الأثر؟ ليس هروبا ولكن مصارحة للنفس.. 


كان يحدثني بعض المعارف عن الزواج وأن من لا يتزوج ينقطع نسله وذِكْرُهُ، فقلت لهم وقتها وإلى أي وقت يُذكر؟ لو كنت أب لأولاد لذَكَرَك جيلهم فقط، هذا إن ذكروك، ثم سينسى أحفادهم ذلك، حتى وإن امتد الأمر فلأي جيل يتذكرون؟ 

اسمي أيمن المهدي محمد محمد علي أبو الرجال 

أنا لا أعرف محمد هذا ولم أره، ولا أعرف أبو الرجال هذا وهل هو فعلا كان بهذا الاسم! ولم أفكّر في الدعاء له يوما أو الاستفسار عنه.. 

ربما كان يفكّر أبو الرجال في ذرية تحمل اسمه.. في ذرية تدعو له.. تَذْكُره.. لكنه لم يدرك أنني إن تزوجت سيُحْذَف اسمه من السجلات تماما وسيصبح اسم ابنتي: 

بتنجانه أيمن المهدي محمد محمد علي.. هكذا فعل أحفاد العائلة.. 

لا ذكر ولا دعاء ولا معرفة ولا بقاء! 


وكذلك الأثر.. إلى أي جيل إن كنت منفتحا ذا علاقات سيذكرك الناس؟ ربما جيلك، ربما أبناءهم، ربما أحفادهم مع المبالغة، ثم أنت تراب ومن ذكروك تراب..

ثم توقفت مع نفسي بحثا عن راحتها وقلت لأي شيء تريد أن يذكرك الناس؟ لأي شيء تخاف في قبرك؟ 

إن كنت ترجو ثناء الناس وذكرهم ليكونوا شهداء لك في الأرض عند الله، فلم لا تذهب إلى الله مباشرة؟ لمَ تأخذ الطريق الطويل مع أن الطريق المباشر موجود؟ 

لمَ تتعمد أن تأخذ طريقا ملتويا مع أن أقصر مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم؟ 


إن كنت تخاف الله حقا، إن كنت تخاف أول ليلة في القبر، فلن ينقذك ذكر الناس، وإن ذكروك فإلى متى؟ فهم إلى فناء مثلهم مثلك! 

ثم شعرت أن التفكير في الأمر يحوّلني من شخص يحاول تغيير نفسه إلى شخص لا يفكّر إلا في تغيير الناس، وكأنه لا ينظر إلى نفسه وحاله ولا يرى ما يعتريه من النقص، فتصبح بدلا من أن تكون عبدا لله تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بغية رضاه، تصبح منافقا تتطلب رضا الناس وحبهم والانتشار فيهم بدعوى أن يكونوا شهداء الله في الأرض وأن تكون ذا أثر، ثم أنت لا تُغضب هذا ولا ذاك وتتنازل عن كلمة الحق تارة بعد أخرى حتى يحبّك الناس، ثم تمتلأ نفسك بالثقوب ولا تدري بها، لأنك لا تنتبه لها بل تنتبه للناس، وبدلا من أنك كنت تخشى غضب الله، فأنت تخشى غضب الناس، لكن في إطار شرعي



ولو كنت أنانيا وفكّرت في نفسك لكان خيرا لك، بل لكانت أنانية محمودة في هذا الحال، لو كانت مواقع التواصل تؤذيك، لو كان إثمها أكبر من نفعها، لكان تركك لها أولى من التظاهر بما لست عليه، لكن أنت تبحث عن ما يبقى به ذكرك! 

وكأنك تنسى أن هناك مجاهيل في الأرض مشاهير في السماء، ولكن وإن كنت تذكر فإن شهرة الأرض هي دوبامين معجّل، أما شهرة السماء فلا تُفرز الدوبامين.. 


ثم تذهب الغاية ويذهب في طيّات البحث عن الأثر سبب البحث وغايته، فتكون عبدا لفكرة الأثر بدلا أن تكون عبدا لله، وترجو الناس بعد أن كنت ترجو الله، وتتيه نفسك، وكأنك تحتاج إلى عزلة تفكّر فيها في عملك كلّه كما فعل الإمام الغزالي... 

ثم حتى مع شهرة الأرض تذكر قول مالك تعلمت العلم لنفسي وكذلك كان الناس، فإنما البداية من النفس..



أحيانا أشعر أن هذا من حب الخلود، نحن لا نؤمن بالموت إطلاقا، نعرف أنه قادم لكن ننكره، تراه يمر أمامك ثم أنت تتجاهله، كما يقول تميم: تكرر الأمر حتى لم يعد خبرا، يُرى ويُسمع، لكن ليس في البال. وفي قصيدة أخرى يقول: الموت دا أصله خلل، الأصل فينا الخلود وهيجي يوم نلقاه.. 


نعم الأمر مركب فينا، منذ الفراعنة ووضعهم طعامهم وذهبهم معهم ظنّا بالبعث بعد ذلك، كلنا يرى الموت خلل، كلنا يرى أننا كائن أُنزل من الجنّة بين جنبّيه شعور الخلود، إن الموت فترة مؤقتة، لكننا حتى نستنكر في أنفسنا هذه الفترة، نستنكر أن نكون ترابا، أن يذهب وعينا ومادتنا، ثم نحن نريد أن يبقى ذَكْرُنا خالدا أبدا، أن تبقى سيرتنا وتتوارثها الأجيال! فإن لم نكن أحياء بأجسادنا فلنكن أحياء بذكرنا.. 


أحيانا تذكير النفس بالحقيقة ولو مرة، أنفع لها من كذب مريح، نعم أيتها النفس العزيزة، إن كنت تستشرفين الناس، فالناس مثلك إلى زوال، وسيرتك مهما علت يوما فهي إلى خفوت وغفلة وقفول، ثم يبقى معك عملك، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.. 


فابحت عن الله، ابحث عن الله وعن رضاه، وهو يختار لك ما يشاء.. ابحث عن الله وهو يختار لك أتكون ذا أثر أم تكون من الذين لا يؤثرون.. 

لكن وقتها ستفلح سواء أكنت من مجاهيل الأرض أو مشاهيرها.. المهم أنك من مشاهير السماء، فلا تنس نفسك وأنت تبحث عن الأثر.



ما وصية الأمير ممدود لجلال الدين قبل موته؟

قال له هذه أختك جهاد خاتون وهذا ابنك محمود فأولهما رعايتك وعطفك، واذكرني بخير، فعندها بكي جلال الدين وأخته فقال له ممدود لا تبك يا جلال الدين وقاتل التتار ولا تصدق أقوال المنجمين.


كان الأستاذ سيد عزيز عندما يذكر هذه الوصيّة يؤخّر واذكرني بخير فما تزال تتردد في رأسي إلى اليوم، رحمه الله كان أستاذا أديبا.

تعليقات