بالطبع هذا الكتاب مقالاته أفضل من كتابه الآخر قهوة باليورانيوم، وإن كان من الواضح أن قهوة باليورانيوم هو كتاب لاحق لهذا الكتاب لأنه قال في مقدمته: لابد أن تتوقع ممن أصدر كتابًا اسمه (شاي بالنعناع) أن يصدر كتابًا أخر اسمه (قهوة باليورانيوم)، لكن قراءتي لهم كانت قراءة عكسية لا تراعي ترتيب الطباعة..
قام الدكتور أحمد بتقسيم مقالات هذا الكتاب إلى قسمين، قسم ما قبل الثورة، وقسم ما بعد الثورة...
والكتاب استعاد الكثير من الذكريات المريرة والحلم بمستقبل جميل كان يلوح لنا وقت هذه الثورة، لم نكن نعلم أنه وبعد أكثر من عشر سنوات سيكون هذا حالنا، والله أعلم ماذا يحدث بعد عشر أخرى، ربما تمنينا أن نرجع وقتها للماضي الجميل الذي نعيشه الآن، لا أدري ما الذي يمكن أن يحدث فينا أكثر من ذلك، لكن الله أعلم، العقل البشري خياله محدود.
نظرة سريعة على المقالات:
تحدث في مقال (القصاصة ما زالت في جيبي) عن قصة رائعة ليسوف إدريس استوحاها من مراقبة طالبة تتسلل خلف بناية الكلية وتخرج سيجارة تدخنها في نهم، وقال أنه مشهد لو رآه الكثيرون لم يفكروا في شيء سوى أن البنات فاسدات الأخلاق..
وربما كثير من منشوراتي تولدت تبعا لهذه الفكر، وأظن أنه شيء فطري في نفس الكاتب.. وسأكتب عنه في منشور منفصل.
أعجبني مقاله المختار من المختار وهذا ما يحدث معنا تقريبا، نحن صورة للأحداث التي حدثت معنا، بل ربما ترى هذا عيانا في الأطفال، لذا عندما تكون رحيما مع الآخرين تمد لهم يد العون فأنت تزرع فيهم هذه السمة عندما يصبحون مكانك.
كلامه عن سامي السلاموني الناقد السينمائي ربما أحزنني بعض الشيء، ربما من حكايته الطويلة مع الشقة الآيلة للسقوط التي كان يقيم فيها، أو أنه لا يدري أين يبيت ليلته ولا يعرف متى يأكل ولا كيف، كما أنه لم يتزوج برغم حبه المجنون للأطفال.. كل هذه أشياء محزنه، لكن الجزء السعيد فيها أنه هو من اختارها بنفسه..
كما أنه كان عدوا للتحذلق والتظاهر بالعبقرية.. وأنا في الحقيقة أحب كل من هو بسيط..
قال الدكتور أحمد في النهاية أنه مات بالقلب " وكان قلبه هو الذي قضى عليه. هؤلاء الأطفال الكبار لا يموتون إلا عن طريق العضو الأكثر حساسية في أجسادهم: القلب".
مقال البلد العميان.. وإن كنت سمعت بالقصة من قبل وأن كثرة العميان من حولك تجعلك تشك في جدوى نظرك وأن تصير أعمى مثلهم.. حفزتني المقالة على قراءة القصة الأصلية إن شاء الله.. وقد كتبت منشورا منفصلا له علاقة بالقصة ربما أنشره في وقت لاحق أيضا
أعجبني وصفه للمدرسة المصرية في العصر الحديث وكونها أشبه بالنادي : " تفاهات مثل التمسك بالمدرسة، وعدم إعطائهم دروسا خصوصية.. تكتشف مع الوقت أنه لا توجد مدرسة بل ناد كبير تدفع له اشتراكا سنويا، ولا يتم تدريس أي شيء فيه على الإطلاق.. "
مقالات ما بعد الثورة:
لم تعجبني بنفس الدرجة التي أعجبتني بها سابقتها..
لكن كلامه في مقال مارا صاد عن المسرحية الفرنسية وعن المقطع الأخير فيها " نحن الآن في مرحلة الانحلال والفوضى.. هذا حسن. هذه هي المرحلة الأولى.. والآن..
يجب أن ننتقل إلى المرحلة التالية"
ثم قال الدكتور أحمد" الثورة الفرنسية لم تنتقل للمرحلة التالية؛ لهذا استولى بونابرت على الحكم، وكان هناك من حمدوا له ذلك باعتباره الحل الوحيد الذي ينهي الفوضى. علينا أن نتعلم من هذا الدرس.. المرحلة الثانية هي الأهم.. الانتخابات وإعادة البناء وألا تترك الفرصة لبونابرت آخر كي يسيطر على كل شيء."
لا أدري هل كتب عبارته هذه قبل أن يسيطر بونابرت بالفعل على كل شيء وكان له بعد نظر.. في الغالب نعم
لكن لا جديد تحت السماء.. ولكل ثورة بونابرت
مقال (جامع الأحلام) ينطبق عليه بيت الذي رأيته مؤخرا وأعجبني كثيرا "إِنّي اِمرُؤٌ مولَعٌ بِالحُسنِ أَتبَعُهُم لا حَظَّ لي فيهِ إِلّا لَذَّةُ النَظَرِ"
يحكي عن رجل قابله الدكتور أحمد لا يعرف إلى أي نطم يصنفه، لكنه مولع بالسفر، يعرف باريس كأنه من قاطنيها، يعرف محلات الأكل الحلال، يعرف كل شيء، يتعلم الكثير من اللغات، لكن هو لم يسافر قط، ولن يسافر.. هو لا يملك المال بكل بساطة علاوة على أنه يخاف من الطائرات..
" قد يدخر العواطف وفي ذهنه أن سيكبها عند قدمي امرأة يمنحها كل شيء.. في كل مرة يتضح أن المرأة لا تستحق أو هي المرأة الخطأ أو لا يقابلها أبدا..
"هنا لاحظت ملامحه بعناية.. لم يخطر ببالي أنه ينتمي فعلا لنمط من الأشخاص والوجوه.. هذا النمط هو نمطي أنا.. هذه هي ملامحي أنا.. (نمط جامعي الأحلام الذين لا يظفرون بأحلامهم لأنهم يخشون المخاطرة أو يمقتونها)، لهذا يقضون الوقت في كتابة الكتب عن أحلامهم تلك.. "
المقال الأخير والذي أبكاني.. يحكي عن اثنين من كبار السن من اليونان امرأة وأخوها.. يُقْدم أخوها على الانتحار البالغ من العمر 90 عاما، لكن يلحقه أهل العمارة ويلتف الناس أسفل العمارة وعلى الأسطح، في النهاية يلحق به ضابط شرطة..
قال له ضابط الشرطة: كلنا نمر بحالة قرف يا عم خريستو.. وكلنا في أسوأ حال لكننا لا نثب من النوافذ!
قال: خريستو خلاص.. زهق.. خريستو موس عايز يعيش..
وجهة النظر التي أؤمن بها تماما، أن الواحد منا عندما يقدم على الانتحار، يقدم عليه وهو في نفسه رغبة ورهبة، رغبة في الراحة من آلام هذه الحياة، ورهبة من الموت، والارتطام بالأرض كما ارتطمت أحلامه من قبله كذلك، لا يريد لهذا الجسد أن يتعذب، يكون لديه رغبة في أن يدعمه أحد، في أن يرغّبه في الحياة أحد، لذا عندما يُقْدم على الانتحار يُقْدم في وقت يستطيع أن يمنعه الناس فيه، وإن كان لا يصارح نفسه بذلك.. هو يريد تعاطفا، يريد أن يشعر بأن هناك أحدا ما يهتم له، بأن هناك من يريده أن يبقى.. بأن هناك من يرغب به..
لذا كنت أتوقع أن يكون هذا طبيعة هذا الخواجة المسن، وأن الأمر انتهى.. لكن ما جعلني أبكي أن هذه لم تكن نهاية المقال..
لقد انتحر الخواجة خريستو بالفعل بعد ذلك، "لقد صحت أخته فلم تجده في الغرفة، وعندما ألقت نظرة إلى المنور وجدت جثته ملقاة هناك.."
يقول الدكتور أحمد "يبدو أنه اختار ساعات الفجر الأولى حتى لا يراه المتحمسون والمنقذون من أمثالنا. عرفت فيما بعد موضوع ساعة الذئب، وهي الساعات الأولى بعد منتصف الليل، عندما نكون في أوهن حالاتنا نفسيا وجسديا.. في هذه الساعة ينتحر من أصيبوا باكتئاب، وتحدث النوبات القلبية وجلطات المخ لمن هم على استعداد لذلك"
المفارقة أني كنت أقرأ هذه المقالة في ذلك الوقت.
هذا وبالله التوفيق
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.