حديث عن البهائم


إنني حينما أتحدث عن البهائم فإني أتحدث عن البهائم حقيقة لا مجازا، فلا أنظر لنفسي نظرة عليا، ولا يحمل كلامي أي استعارة، ولا أعتقد في نفسي أني أملك عقلا فوق الذي يملكه أحد من الناس، أو أني أُبصر ما لم يبصروا به، بل عندما أخرج إلى الشارع أرى نفسي أقل الناس قدرا، ولا أستحضر مقالة دوستويفسكي: وكأني أعيش في الريف الدنماركي، لا شيء حولي سوى البقر، لكنّها تعجبني على أي حال لأنها خرجت من غيري لا مني.. 


كان بداية الحديث عن أسعار تسجيل فدان البرسيم، وكلمة تسجيل هنا لا تعني Recording وإنما المقصود بها في هذا السياق هو الإيجار..  

كان الكلام عن أحد المتبجحين الذي يريدون تسجيل أرض برسيم بعشرة آلاف فقط وإلا فلا، وتم وصفه بأنه يريد الأرض مجانا..فتعجبت إذا كان عشرة آلاف تعني أن الأرض مجانية فكم قيمة الإيجار؟   

ثم عرفت من خلال الحوار أن تسجيل فدان البرسيم يبلغ 20 ألف جنيه، ثم عرفت أن التسجيل هذا لا يشمل إلا موسم الشتاء فقط، وأن الفدان لا يكفي إلا طعام بقرتين..  

ملحوظة: كان التسجيل في عهد السيد مبارك بـقيمة 2000 جنيه. 


إذا فصنف واحد من أصناف الطعام لموسم واحد لبقرتين تكلفته أكثر من عشرين ألف جنيه، هذا بخلاف الأطعمة الأخرى، وبخلاف الشراب، فالبقرة تُكثر في الشراب، والشراب هنا ليس كما في ترجمة الأفلام الأجنبية يعني الخمر، فإنْ أكثر فلانا من الشراب فهو سكران، فالبقر أعزكم الله لا يسكرون، وإنما المقصود بالشراب هنا هو الماء، فالبقرة تشرب كم كبير من الماء، وهي عندما تشرب، تشرب في دلو كبير وليس في كوب كما لا يخفى على حضراتكم، وإن كان من متابعينا طبقة ممن لم يروا بهائم في حياتهم، وهذا متعسّر، لأنك دائما تستشعر أن لا شيء حولك سوى البقر، مع فارق أنك لا تعيش في الريف الدنماركي، لكن نوضّح لهم نقطة مهمة فلا خسارة من التوضيح، البهائم لا تشرب في قِدر كبير، فقط لأنها تشرب كثير من الماء، ولكن لأن فم البقرة كبير أيضا فلا تستطيع إدخال فمها لو وضعنا لها الماء في كوب.. لذلك يستخدمون الدلو.. 

وبعد أن بينّا هذه النقطة المهمة.. نرجع للأمر غير المهم..   


في بلد كهذه تقدّر البهائم أكثر من الإنسان، كان يجب أن أعرض مقارنة بيني وبينها، ولكن لو تكرّمت البقرة الكريمة ووافقت أن تدخل معي في مقارنة.. 

وكانت نتيجة هذه المقارنة لصالح البقرة بالطبع، فتكلفة صنف واحد مما تأكله يساوي نفس تكلفة كل الأصناف التي آكلها في نفس الموسم بل ربما تتفوق هي علي في ذلك، أما بالنسبة للشرب فأظن أن استحمامي ووضوئي وشربي خلال اليوم لا يبلغ مجمل ما تشربه البقرة في يومها..


 

عندما توصلت إلى هذه النتيجة قلت أعرضها على أقراني من الدفعات التي تخرّجت في مصر في الفترة الأخيرة ولا يزالون في بيوت أهاليهم ولم يستقلوا ويشعرون بالثقل لذلك.. 

وقلت أن في الأمر بشرى لهم، فتكلفة أكلهم وشربهم على أهاليهم أقل من اقتناء بقرة بلا شك.. ولكن تلكأت هنيهه وقلت: تُرى لو أخبرت والدي بالأمر ماذا سيقول؟ 


-حسنا، كنت أود أن أخبرك أمرا، أن تكلفة اقتناء بقرة أكبر من تكلفة اقتنائي في البيت.. 

ولكن كنت أعلم أنه سيغلبني في الحجة، وأقرب الردود أن البقرة تأتي بعائد فما العائد الذي تأتي به، فهم يحصلون منها على اللبن، ثم إذا هَرِمَتْ باعوها وأتوا بغيرها.. 

فقررت أن أصمت بعد أن علمت أنه سيغلبني في الحديث، وكنت أخبرتكم قبلا أني لا أحب من يغلبني في الحديث.. 


ثم لما سمعت رئيسنا يتحدث في أمر التبرع بالبلازما أسبوعيا مقابل 350 جنيه.. عاد أمر البقرة إلى رأسي.. 

نحن الآن في مقارنة عادلة، تكلفة طعامي أقل من البقرة، وفي الإنتاجية متساويين، لا أعلم قيمة ما تنتجه البقرة أسبوعيا من اللبن، ولكن أظن أننا متقاربين.. 

سيبقى أمرا واحدا وهو عندما تهرم البقرة يقومون ببيعها واستبدالها.. فماذا نفعل بك عندما تهرم؟ 

ولكن الإجابة كانت حاضرة: والله أنا لو ينفع أتباع لأتباع❤️




أعجبك المقال؟ اترك قلبًا صغيرًا
تعليقات