سفاح الكوفة

 

متغيب عن الفيس بوك من ما يقرب ربع عام، لكن تصلني أحيانا بعض الأمور، منها أمر السفاح المعروف ومسألة النغمة الإسلامية التي يضعها لهاتفه -والحقيقة أن هذه النقطة بالذات مسروقة من مواقع التواصل وليس العكس- ولكن هي من السرقات التي تم إعادة تردادها في الفيس بوك مرة أخرى، ثم يظهر كوميك آخر عليه صورة السفاح ويقول أنه يدرس في البناء المنهجي، وأكاديمية زاد، والأزهر.   

 الناس تعجب كيف لسفاح أن يضع هذه النغمة؟ فكيف نأمن للناس، خاصة من ظاهره الصلاح؟  


ودون أن أكون حاضرا، لا شك أن هناك من ظهر على هذا الفضاء وقال أن هذا نوعا من دس السم في العسل، وجَعْل الناس يعتقدون أن المتدينين سفاحون.. 


لكن أنا أعجب من تعجّب الناس، كيف والتاريخ مليء بسفاحين لم تكن نغمات هواتفهم فقط إسلامية، بل لهم إسهامات في إعلاء راية الدين!

ورغم ذلك فهذا السفاح لم يقتل واحد أو اثنين فقط، بل كان أحد ضحاياه صحابيا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا كون أنه له إسهامات في اتساع رقعة الدولة الإسلامية ينفي عنه أنه كان سفاحا، ولا كونه سفاحا سفاكا للدماء ينفي أن له إسهاما في إعلاء راية الدولة الإسلامية.. 

ولم يكن سفاحا متخفيا كصاحبنا هذا، بل كان سفاحا سفاكا للدماء على مرأى ومسمع من الناس جميعا وقصصه تُروى إلى يومنا هذا.

 

ولكن ربما يعتبر الناس الحجاج أسطورة، لذلك لا يلتفتون لأمره كما هو حال سفاحنا هذا الذي سيشككنا في كل متدين أمين أنه ربما وراء نغمة هاتفه سفاح متخفي.. 

ولكن ألم يروا سفاحا آخر في عصرنا هذا، لم يقتل واحدة أو اثنين أو خمسة، بل قتل ما يقرب من أربعة آلاف عيانا بيانا أمام الناس جميعا؟ 

سفاحا يبكي في صلاة الظهر، وتنشر وسائل الإعلام صورته في كل جمعة من المسجد؟ سفاح يبني أكبر المساجد في العالم، بل ويسميه باسمه، سفاح يقف خلفه مشايخ الأزهر! بل يقول واحد منهم "اضرب في المليان" وهو فقيه ومفتي! سفاح يكلّم الله، بل ويكلمه الله. 


في النهاية هذه الأفعال تعبّر عن أصحابها وليس الدين من يحضهم عليها، فليس معنى أن رجل رياضي يقتل أن كل الرياضيين قتله، وهذا أمر بدهي لكنه الآن أصبح يحتاج إلى توضيح.. 


لكن المشكلة في الكهنوت، في جعل رجل الدين هو الدين، فإذا أخطأ يتشكك الناس في أمر دينهم،وإن كنّا ننظّر أنه ليس أحد بمعصوم، أو أن الحق لا يُعرف بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله.. 


مشكلة حصر الدين في رجل الدين، هو عندما يقع رجل الدين في مأزق، فالدين نفسه في مأزق، وكأنه هو المهيمن على الدين لا العكس، وهذه مشكلة تيار من التيارات التي ظهرت وأضفت القداسة على نفسها في أفعالها، فبمجرد إعفاء المرء منهم لحيته فقد اكتسب قيمة جديدة تختلف عن سابقتها، اكتسب قداسة خاصة تمنعه من الوقوع فيما يقع فيه البشر! 


عندما يقول واحد أن الناس لو سمعت عن فلان الذي له فضائح مع النساء لدقّوا الصليب تعرف معنى تقديس الأشخاص إلى هذه الدرجة!

فلان هو الدين، فلو سقط لسقط الدين.  


والحقيقة أن الإنسان يعبّر عن نفسه، وإلا فلا أجلّ من أحد رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن ثم ارتد، فما ردّته إلا على نفسه، أما في يومنا هذا لو ارتد عالم من علماء الدين لتشكك الناس في أنفسهم! لأنهم يرونه هو الدين، ولأنهم يتبعونه هو لا يتبعون الدين، وكأنه لا يعلّمهم كيف يعرفون دينهم، بل يعلّمهم كيف يتبعونه هو. 


عندما أقرأ عن القساوسة الزناة، وعن النسب الكبيرة عندهم، لا يهمني هذا الأمر مثال ذرّة من ناحية التشكيك في أمر دينهم، بل لو كانت النصرانية الدين الحق، لم يمنعني عن الإيمان بها كون كل قساوستها زناة ليس معظمهم فقط، لأن القساوسة بشر يعلمون الناس الدين، يمكن أن أكون شيخا إذا أردت دراسة الدين، أو أكون قسيسا إذا أردت، هذا لن يضفي عليّ أمرا جديدا سوى أنني متعلم، لازالت الصفات البشرية تنتابني، يمكن أن أقع في معصية وأنا أعلم أنها معصية!  


ما يمنعني عن أن أكون نصرانيا هو كون أصل اعتقادهم فاسد أصلا، وإلا فأنا أنظر إلى شبهة كون القساوسة زناة وكأنها شبهة مهترئة مقابل أصل اعتقادهم الفاسد، وإلا فهي مناوشة لهم لا أكثر ولا أقل، ويمكن أن تكون أمرا ذا بال إذا كان دينهم هو من يحضّهم على الزنا، أو فيه تشريع أدّى إلى ذلك الأمر "ورهبانية ابتدعوها"، وإلا فكل إنسان مسؤول عن نفسه، أما إذا كانت هذه التهمة عند المسلمين تقوم الدنيا ولا تقعد، لو اُكتشف أن محفّظ قرآن متحرش، أو إمام مسجد، واحد من آلاف، يتم محاكمة الإسلام لا الشخص، يتشكك الناس في أصل الدين.. 

لم كل ذلك؟ لحصر الدين في الشخص، ولأن الحق يُعرف بالرجال لا العكس وإن زعمنا عكس ذلك، ولأن المشايخ يقدّسون رجل الدين بالفعل وإن قالوا عكس ذلك فهو قول لا علاقة له بأفعالهم.


لا يفكر واحد منهم تفكيرا منطقيا بأنه يمكن أن يصير يوما محفظا للقرآن أو إماما لمسجد، هو هو، ولا يُعصم من الزنا أو من القتل أو  أن يأكل بدينه، فالأمر ليس زرا تضغط عليه فيعصمك. 


لذلك يجب أن يكف الناس عن إنزال رجل الدين فوق منزلته، بل وجعله حاكما على أصل الدين لا العكس، ولا أضع الذنب كله على عاتق المقدسين لأنفسهم، بل هناك جانب في الناس أيضا وهو الغرض في القولبة،  كون فلان صالح أو طالح، سفاح أو أمير للمؤمنين.. أن يكون فقيها لكن لها بضعة فتاوى مسيسة، لذلك يختلف الناس في الحجاج ما بين سفاح ومجاهد.. لا يعتبر الناس بأن الإنسان أعقد من ذلك وأنه شخصية مركبة معقدة، بأنه ربما يكون سفاحا ومجاهدا عابدا وعاصيا، بأن يكون محافظا على صلواته وقيامه لكن يضعف فيقع في الزنا.. ولكن هناك من يغلب خيره شره والعكس.. 


معنا قصتين في النهاية وانظر لنفسيتك وأنت تقرأ كل واحدة منهم

 -امرأة عاهرة تأكل بعرضها، لكن بالرغم من ذلك هي تحافظ على صلواتها، بل وتصوم الأيام البيض، تقول أترك بابا بيني وبين ربّي.. 

-المرأة الثانية هي امرأة متدينة ظاهرها الصلاح، تصلي وتصوم، ولكن وقعت في الزنا... 


هناك شيء يجعل الناس تتعاطف مع الأولى بالرغم من كون البغاء ممارسة لها، وتجلد الثانية بالرغم من وقوعها في الزنا مرة واحدة! لماذا؟ فكر في الإجابة.. 


في النهاية، لا يوجد معصوم، وكل يؤخذ من قوله ويرد، ومن يتفقه في الدين، فهو يعلمك أمرا تأخذه منه ومن غيره من الفقهاء، وإن ارتد على عقبيه، فمرجعك لأصل مقالته كونها صحيحة أم خاطئة، لا فيما ينتابه هو من أحوال وإلا فأنت مؤمن به هو.




تعليقات