أنوي كتابة تحليل لأحد المسلسلات، وبما أني ذكرت أني أنوي كتابة شيء فلن أكتبه بالطبع أنا أعرف نفسي، من يقول لا يفعل ومن يهم بالفعل لا يقول أنوي
كان مسلسلا أسبانيا تقريبا، شاهدته في فترة الجيش لأن الضابط الذي معنا كان يشاهده في نفس المكتب الذي نجلس فيه، لو كان الأمر غير ذلك ربما.. بل غالبا لن أشاهده
1. لأن المسلسلات الأجنبية معروفة بالفحش حتى أكثر من أفلامهم.
2. لأني لا أستطيع أن أشاهد شيئا وأتركه حتى لو كان عملا رديئا، ولا أستطيع أن أشاهده على مراحل بل أشاهده كاملا، وهؤلاء مجانين مسلسلاتهم مواسم مما يعني أنني لو فرغت يوما كاملا لن أنتهي منه ولن أفعل شيئا حتى أنتهي منه ولا أستطيع التركيز، لذلك لا أدخل في هذه الدائرة من البداية، ولا يأخذني فضولي لأعرف أسماء مسلسلات أو تفاصيلها أو حتى معرفة مشاهيرهم...
3. لأني لا أحب أي شيء بغير العربية واللغة التالية لها هي الإنجليزية لأنها الأشهر واعتدت عليها، أي لغة غير هاتين من المستحيل أن أسمع فيلما أو مسلسلا بها، لأني أشعر حينما أسمع الهندية مثلا أو غيرها أنني أسمع نقر دجاجة لو كان لنقرها صوت...
4. لأن الناس يأخذون من غيرهم ما يناسب هواهم، أنت سمعت هذا المسلسل فأنا أسمعه لأنك سمعته، مع إني لا أسمع أشياء كثيرة أخرى أنت تسمعها أو أسمع أشياء كثيرة أخرى أنت لا تسمعها؟ فلما لا تجرّب أن تسمع ما أسمعه طوال يومي فعلا دون ما تهواه فقط؟ فأنا لست هاو للأفلام أو المسلسلات... فالحقيقة لا أحب أن أحمل وزر أحد... وهذه النقطة بالذات أفصّل فيها فيما بعد إن شاء الله.
ولهذه الأسباب لن أذكر اسم المسلسل ولا أنصح بمشاهدته
ما الذي يدعوني للتوقف مع فكرة هذا المسلسل؟ أن الذي كتبه شخصية عبقرية بالتأكيد وهذا المسلسل لو تم عمله في مصر لن يُذاع وأعجب لهذه الدولة كيف سمحت به ولا أعرف عنها الكثير عموما،
لو سألت أحدا عن فكرة المسلسل لقال: مجموعة قررت سرقة بنك أو بشكل أكثر دقّة دار السك التي يُسك فيها العملات والتي فيها احتياطي الذهب الخاص بدولتهم.. هذا طرح ساذج بكل بساطة للفكرة العامة، ثم أضف إلى ذلك أن فريق عمل الممثلين في المسلسل فيه بعض الضعف من وجهة نظري، بل الرأس المدبّرة في المسلسل يحتاج أن يرجع ليدرس التمثيل جيدا، قد يكون كلامي ليس صحيحا بالطبع فهو يخضع للذوق في النهاية ولست بناقد، لكن الوحيد المتمكن من التمثيل كان الشخصية القيادية داخل البنك وليس الذي بخارجها وهو الذي يتواصل مع الرأس المدبّرة.. وربما يدعم كلامي أنهم فكّروا في عمل موسم جديد كفلاش باك لهذه الشخصية دون الشخصية التي تتحكم من الخارج وقالوا أنهم لم يتوقعوا أن تنجح هذه الشخصية لهذه الدرجة وبالطبع لو علموا ما قتلوها، وهذه لفتة طيبة لعلماء التسويق الذين يعلمون كل شيء
إذا ما الذي جعل هذا المسلسل يشتهر إن كانت الفكرة العامة التي تُكتب في سطرين لا تجذبك والمعروف أن هذا الـ brief هو حملة الدعاية لكل عمل وعليها النجاح أو الفشل! علاوة على فريق التمثيل الذي فيه بعض الضعف؟
الإجابة هي: الأفكار التفصيلية التابعة للفكرة العامة، فلو قال لي شخص هناك مسلسل يتحدث عن سرقة بنك أو سرقة المكان الذي يحتوي على الاحتياطي النقدي من الذهب ما اهتممت به أصلا...
في المسلسل مناقشة أمور مهمة منها كيفية جذب تعاطف الناس، بل والأعظم تشكيك الناس في البديهيات التي يعرفونها، أو ما يظنونه بديهيات، ما الذي يجعلنا نحن المجرمين والحكومة هي المحقّة؟ ما الذي يُكسبها الشرعية؟
لماذا لا نكون نحن الاثنين مجرمين سويا؟ أو يكون الحكومة هي المجرمة ونحن الضحايا؟ أو نكون نحن منكم بل أنتم.
أن يكون الناس معك ضد الحكومة، أن تكون أنت صاحب الشرعية والحكومة في موضع الضعف..
إفراغ طاقة الناس، فالحكومة هي الخصم والحكم يشعر أمامه الناس بالعجز فلا يعرفون ما يفعلون، يأتي هذا لينتقم منهم، فتكون الحكومة في موضع العجز وأنت المنتصر في صورتهم، أو هم المنتصرون في صورتك، حتى ولو لم يعطوك من قسمتهم التي اقتسموها يكفي أنهم انتقموا لك، فما بالك لو أعطوك مما تمن به هذه الحكومة عليك؟ إذا لن يكونوا أشرارا بالطبع... فما بالك لو كان هذا المكان الذي يحوي الذهب فيه أقراص عليها فضائح ارتكبتها هذه الحكومات؟
من كتب هذا المسلسل يدري نفسية الجمهور تماما، يدري نفسية الجمهور حين ناقشها في المسلسل ورد أفعالهم، ويدري نفسية الناس في الواقع الخارجي في طريقة استقبال المسلسل نفسه وهم يشاهدون ما يعبّر عنهم تماما، من ينتقم لهم ولكن في الدراما فقط، أحيانا المشاهدات الدرامية تريحك نفسيا، حينما ينتصر الخير على الشر هذا يشعرك بالراحة النفسية، حينما يُكشف الخائن ويُنتقم منه، ترى نفسك وكأنك انتصرت على كل من خانك في حياتك ولو في خيالك فقط..
هل تدري عندما تُهزم في موقف فتقلّب خيالك فيما بعد وترى نفس الموقف وأنت تنتصر فيه؟ تنتصر ولو في خيالك، تُخرج غيظك والنار التي تختلج بداخلك في خيالك! هذا ما قاموا بفعله تماما..
وعموما هذه الأفكار بين اثنين إما أن تفرّج عن الناس ما هم فيه فهي منفذ لهم وإلا حتى لو كان حرية السينما والدراما ممنوعة في التعبير عن آلامهم لانفجر الناس على أرض الواقع فهي مساحة للتفريج عما بهم والانتقام لهم خياليا، وأما أن تجد هذه الأعمال مجنون على أرض الواقع ينفّذها فهناك خيال جامح يكتب ولا يستطيع التنفيذ، وهناك مجانين لديهم القدرة على التنفيذ لكن ينقصهم الفكرة... وكم من فكرة طرحت في الأفلام ثم نفذت على أرض الواقع..
وبما أن هذا مدخل لمراجعة مسلسل فلا مشكلة بأن نستشهد بكارتون بغض النظر إن كانت هذه الواقعة صحيحة أم لا.. في كارتون محمد الفاتح الذي شاهدته وأنا طفل كان شيخه يزرع فيه فكرة فتح القسطنطينية فهو وإن لم يقم بفتحها هو -أي شيخه- ولكن كان يحمل الفكرة وورثها لمن يستطع تنفيذها...
فحتى وإن لم يستطع شخص ما تنفيذ فكرة، أو كانت فوق مقدرته، أو كانت ظروف عصره لا تسمح بها، أو كان يجبن عن تنفيذها لا يمنعه هذا عن توريثها وزرعها كفكرة في الجيل الذي يليه إن كان يؤمن بها حقا...
ورب مبلغ أوعى من سامع... ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه... وإن كنت جبانا فلا تورّث جبنك ولكن ورّث عزيمتك التي كنت تود أن تكون عليها..
حتى وإن لم تقنع بهذه المقدمات، فهنا لعبتنا الأخيرة، نستطيع أن نرجع بفلاش باك نذكّرك فيه بكيفية تحوّل كل مجرم من هؤلاء إلى إجرامه إن كنت لا تزال تراه إجراما، نستطيع أن نريك أن الدولة كانت هي السبب في جعله مجرما، تجعلك هذه الطريقة تتعاطف مع القاتل المتسلسل عندما تعلم في النهاية أنه إنما كان يقتل الضباط الذين كانوا يقومون بتعذيبه في السجن، أو وهو طفل في دار الأيتام، أو ربما كان انتقام هذا المجرم الضحية بسبب وفاة زوجته في حريق كان سببه الأول إهمال الحكومة، أو لأنه تعرّض لظلم لم يستطع أن يردعه كان أضعف منه، من المعروف أن السجين المظلوم عندما يخرج لا يفكّر إلا في الانتقام، كأنّهم حولوه من شخص طيب إلى كتلة نار لا تعرف إلا الحرق.. هناك العديد من السيناريوهات.. لكن من المؤكد أنك ستتعاطف معها ضد هذا المجرم ضد هذا الخصم الذي هو الحكم، الذي لا يستطيع أحد أن يقتص منه حتى أنت ولكن بطلنا يستطيع أن يُذهب النوم من أعينهم، أن يسهدهم، تتمنى أنت لو أنهم لم يعثروا عليه أبدا، انظر لنفسك أنت الآن تتعاطف مع مجرم لا يمتلك أي شرعية ضد حكومة شرعية، لقد نجح الأمر..
في النهاية يزرعون فيك روح الثائر دون أن تدري، الروح التي يخرج تميم مرتديا حُلته ليقول لك " الضبع أضعف من فرائسها وأجبن منهم بكثير" لكن ترى هذه المقالة تتفرق على مواسم أو تشغل فيلم تبلغ مدته ساعتين أو أكثر لذلك كانت هذه من فوائد الرواية أنها تزرع فيك الفكرة لكن بصورة غير تقريرية..
عندما تقول لابنك لا تكذب يختلف أثرها تماما عندما تخبره بقصّة شهاب الكذّاب الذي يستحق أكل الذئاب😁
لهذا ولغيره كان هذا المسلسل عبقريا في تفاصيله وفي رؤيته للنفس الإنسانية وللجماهير، ولو كان له رواية لقرأتها فلا أدري...
ولكن لنا معه وقفة وتحليل إن شاء الله وهذه مجرّد إشارة وتذكير لي أن أكتبه يوما ما...
"ولكن ربما ولرحمة الله الكريم عباده، هجمت غزيلة على ضبع بلا تفكير، وتتابعت من بعدها الغزلان مثل تتابع الأمطار في وديانها، في هذه اللحظات تعلم أن حسنا ما عظيما سوف يأتي، ربما ولد يكلم أهله في المهد، أو يتنفس الصبح الذي في سورة التكوير... "
____________
المصادر: 1. كارتون محمد الفاتح
2. أغنية يا شهاب يا كداب تستاهل أكل الذئاب.. قناة طيور الجنة

تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.