كان يسبح في الفضاء، في لحظة ما فقد توازنه، أصبح يسبح في المحيط، اسم الممارسة واحد لكن الفعل مختلف، استطاع أن يخرج من المحيط وأن يختلط بالناس، كان مختلفا عنهم تمام الاختلاف، لسبب ما هو يفهمهم وهم يفهمونه، كيف حدث ذلك، وكيف أدرك أنه في كوكب آخر غير كوكبه، وكيف فقد توازنه، هو لا يدري أي شيء عن ذلك..
بدأت تدور حوله الأسئلة، والناس بين تخوّف وقلق، قال أنه من كوكب آخر، أخبروه عن كوكبهم أيضا، أخبروه عن الكثير من الخلاف، عن الاختلاف في كل شيء وأي شيء، بدءا من الأديان نزولا إلى الميول الكروية، أخبرهم أنه لا يوجد في كوكبه خلاف، كلهم على ملّة واحدة، يؤمنون بإله واحد... تعجّب الناس كيف لكوكب كامل أن يكون على رأي واحد!
إن في البيت الواحد هنا تجد بين أفراده اختلافا، فكيف بكوكب فيه ملايين من البشر..
قال: أخبرنا آبائنا أننا وصلنا لنهضة لم يصل لمثلها أحد.. نهضة لا مثيل لها.. لكن طغت المادة والتجربة علينا، والعلم دون إشراف وروح، ودون قوانين تضبطه، كان المال والكسب هو المسيطر، لا يهم أن يكون هذا نافعا أو مضرا، المهم أنه يفيد في سلسلة التطور والدخل لدى الكبار، تفاقم الأمر، ولم يعد هناك سيطرة عليه، تدمّر الكوكب، بدأوا بداية جديدة، لكن كانت هذه البداية مبنية على الإيمان.. فهو المهيمن عليها..
اختلف الناس حول روايته هذه.. بين مصدّق ومكذّب.. وما لبث أن شاعت قصته بين الناس وفي الإعلام وفي كل مكان.. وظهرت التحليلات حول أمره.. ثم ظهر له أتباع ومعارضه..
قال واحد من المسلمين: .. هذا ملك أتى يذكّر الناس بأمر دينهم.. وإن كانت الرسالة آخر الرسالات.. وإن كان لا نبي بعد سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- لكن لا نستطيع أن نجزم بعدم وجود أمر عارض أو مذكّر لنا ولا يكون نبيا.. فإنما المنع اختص بعدم وجود نبي جديد.. فلعل هذا ملكا جاء على هيئةٍ شبيهةٍ بالبشر ليذكّرنا بأمر ديننا..
وأكّد أنه لا يوجد أناس يتفقون على قول واحد إلا الملائكة في شريعتنا.. وهم في المكان الذي يصفه على قول واحد.. وكان هذا الدليل القوي الذي استند إليه في ادعاءه.. هم ليسوا كالبشر يختلفون..
انهال الناس على صاحب هذه التغريدة بالسباب.. والذي يزعم لنفسه فهما مغايرا لغيره.. بينما أيّده آخرون.. وبين التأييد والمعارضة آراء كثيرة لا حصر لها.. كان من أبرز الاعتراضات التي وُجّهت له أنه لا وحي من السماء بعد خاتم الأنبياء وأن الكلام فيه مخالفة صريحة للوحي.. فالأمر لا يتعلق فقط ببعثة نبي جديد..
خرج آخر من المسلمين وقال أن هذا نبي.. هكذا دون أي مبررات.. مع وجود النصوص الواضحة.. حتى لم يتأوّل كما تأوّل سابقه.. لكن ما عرفه هذا الفضائي فيما بعد أن المسلمين طوائف ومشارب شتّى.. وفيهم السنة والشيعة.. وكل طائفة من هؤلاء تختلف فيما بينها.. وكل طائفة تحتها طوائف أخرى إلى ما لا نهاية.. فربما هذا القائل علماني أو ليبرالي أو تنويري.. لكن هو يصف نفسه في النهاية بالمسلم.. وربما بالمجدد.. واختلف الناس حول رأيه في هذا بين مؤيّد ومعارض.. بل أصبح للفضائي أتباع يدّعون له النبوّة.. دون أن يدّعي هو لنفسه ذلك..
أما في النصارى فخرج غير واحد يؤكدون أن هذا هو المسيح، نعم هم يرونه في السماء وفي كل ظاهرة غريبة تحدث، فما المانع من أن يرو أن هذا هو المسيح؟ لكن المسيحيون طوائف أيضا أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت وغيرها.. كلها تختلف فيما بينها وفي داخلها..
ثم خرج واحد على شاشة التلفاز وكان ممن يفضلون أن يضعوا قبل اسمهم كلمة مفكّر ليقول أن هذا الكائن هو بشري من المستقبل! وأن القصة التي يقصّها هي قصتنا.. يقول أن كوكبه ازداد فيه العلم دون رويّة ودون إنسانية حتى قضى هذا العلم عليهم! فمع من تتشابه هذه القصة؟ إنها قصتنا أيها السادة، وقد جاء يحذرنا من هذا المصير قبل أن نصل إليه..
بعبارة أخرى فهذا المفكّر يتحفنا أن هذا ليس فضائي، وإنما بشري يسافر عبر الزمن، وكأن البشر عندما انهارت حضارتهم وبدأوا من جديد بنوا حضارة أخرى إلى أن توصلوا لآلة الزمن..
كان الفضائي يسمع كل هذه الآراء والاختلافات حوله، ويعجب من هؤلاء البشر، كيف نشأت بينهم كل هذه الفُرقة والآراء، مع أنه أخبرهم بقصته بنفسه..
لكنّه لم يدرِ أن هناك من كذّبه وكذّب أصل روايته.. ومن قال أنه مدّعي.. ومن قال أنه بشري حدث له تشوّه.. ثم ألّف قصة حول الفضاء والسباحة والسقوط في المحيط.. قال واحد من هواة السينما الغربية.. هذا فيلم خيال علمي شاهدته من قبل.. فضائي يسقط في المحيط! والله هذا الفيلم شاهدته!
في لقاء تلفزيوني مع هذا الفضائي عبّر عن دهشته حول الخلاف عنه، وأنه أخبر عن قصته بصدق، وأنهم لم ينتبهوا لأصل الرسالة وما هم فيه، وركّزوا مع قصته وشخصه..
لكن حتى أصحاب الديانات منثور في كتبهم هلاك الحضارات السابقة لهم.. نعم المسلمون يؤمنون أنه لا يوجد عذاب عام يصيب كل البشر، وأنه مُنع عن هذه الأمة، ولكن ماذا لو كانت الأمة هي التي أهلكت نفسها بنفسها؟ هل يدخل هذا في العذاب العام؟
لم يستطع الفضائي العودة إلى كوكبه مرة أخرى، إن التقدم البشري هذا أضعف من تقدمهم على كوكبهم، وهو إذ سقط في الهوّة أصبح مثلهم، بل قد تزعزع الإيمان في قلبه، وما جاء لينذر منه قد وقع فيه، لقد ضاقت به السبل، وخفتت شهرته، فكأن استضافته في الإعلام وانشغال الناس به في بداية الأمر كان "تريندا"، أصبح يسير في الشوارع مثله مثلهم، وإن كان لا يشبههم، لا يأبه به أحد.
لاحظ أنه لا خلاص من ضيقه المالي إلا أن يفعل مثل ما يفعل كثير من هؤلاء، لاحظ أن أصحاب الآراء المثيرة هم الأكثر ظهورا، إن هيئته لا تؤهله ليكون عارض أزياء، ولا أن يكون فتاة ليل أو راقصة، إن العهر الجسدي ممتنع في حقّه، لكن العهر الفكري والآراء المثيرة غير ممتنعة.
بدأ يظهر في الإعلام بعد أن إدّعى أنه المهدي، وأنه المسيح، وبين ادعاءات متناقضة وتنبؤ بالساعة وغيرها، يظهر مرة أخرى على الساحة، وتألق نجمه بعد أن خفت، وخرج من ضيق العيش لفسحة الحياة، بين مؤيّد له ومعارض، والغريب أنه كان يربح من المعارضة أكثر مما يربح من المؤيدين.. لذا استمر في عرض الأراء المثيرة.. لقد جني مالا كثيرا.. لكنّه خسر إيمانه ونقاء روحه الذي كان عليه في بداية الأمر عندما وصل إلى هذا الكوكب.
