أول قراءة لعبد الوهاب مطاوع، نصحني أحد الأصدقاء بأن أقرأ له بعد أن تحدّثنا حديثا طويلا، ربما كان يرى أنني سأجد في كلامه بعض السلوان، وقد كان، الكتاب يحمل عنوان “صديقي لا تأكل نفسك”، وهو كتاب مقالات، فمعنى ذلك أنه اختار مقالة من المقالات لتكون عنوانا للكتاب وهذه العادة، لكن العنوان حقا له دلالة على كل غالب مضمون الكتاب، الكتاب يريد أن يقول لك لا تأكل نفسك، وأكثر ما أعجبني في مقالة صديقي لا تأكل نفسك هو مقولة وليم جيمس “إن الله يغفر لنا أخطاءنا، لكن جهازنا العصبي لا يغفرها لنا أبدا فنعم إن أجسادنا لا تغفر لنا قلقنا، لا تغفر لنا حزننا، إنه يظهر عليها ويظهر سريعا، وإن كان عمرو بن كلثوم قال “وإن الضغن بعض الضغن يبدو.. عليك ويخرج الداء الدفينا” فإن الحزن بعد الحزن يبدو ويهلك بدن الإنسان قبل روحه، إن الأشخاص ذوي الروح الرقيقة لا مكان لهم في هذا العالم، وإن كان البقاء للأقوى فسرعان ما سينقرضون ليبقى المتوحشون والقتلة على ظهرها، لتقوم الساعة إذا على شرار الخلق…
لغة الكتاب سهلة، أشبه بدرجة كتابات أحمد خالد توفيق، ليست متوسطة أو عالية كبعض الأدباء الذين لا نفقه كثيرا مما يقولون، وأقصد هنا درجة الصعوبة وليس القيمة، وإلا فبعض الكتابات الصعبة يمكن أن تُعيد صياغتها بنفسك بعد فهمها بعبارة أسهل من صياغة كاتبها إن كان عندك الملكة وتستطيع أن توصل من خلال هذه العبارة نفس المعنى، لكن كيف يلقبونه بالأديب وهو لا يُورد في مفرداته غريب اللغة؟ ولا يُغمض في أسلوبه ويلغز، هذه أول طرق الأدب، يجب أن تصعّبها على الناس..
مقالة أصدقائي الستة
الكتابة فيها طابع ديني ممزوج ببعض التنمية الذاتية، كما أنها تظهر أن صاحبها رقيق القلب، واسع القراءة، من الأشخاص التي تعذر الناس، هذا ظاهر الكتابة وليس توصيفا للشخص نفسه، وكلما كان الشخص أوسع قراءة كلما كان أوسع صدرا للاختلاف والتنوع، لا يُشترط أن يٌقر بما يقوله المخالفون، ولكن الأمر متعلق بفهم انطلاقات الناس المختلفة وتصوراتهم، ومحاولة تفّهمهم وعذرهم، لذلك أضيق الناس أفقا هم أقل الناس معرفة، ولعل المداخلة باب واسع لهذه الدارسة فلا أظنهم يعرفون شيئا خارج تصوراتهم، ثم هم صم أمام أي خطاب نقدي، والجميل أنك ستجد مخالفهم أكثر إعذارا لهم من إعذارهم إيّاه، ويمكننا أيضا أن نستشهد بالخوارج، ستجد أهل السنة لا يخرجونهم من الإسلام، لكن هم يخرجون هؤلاء الذين لا يخرجونهم من الإسلام من الإسلام، واقع كوميدي بعض الشيء لكن لا يهم.. ما الذي أتى بنا إلى هنا؟
تجد الكاتب يقول في مقال “أصدقائي الستة” ذلك أنني أؤمن بأنه لا قيمة لإنسان في الحياة إلا بما يعرفه وبما تعكسه عليه هذه المعرفة من فهم للحياة ومن سعة أفق في التعامل مع الآخرين ومن رقة في المعاملة وحسن المعاشرة لأن من يعرف أكثر يكون غالبا أكثر استعدادا لالتماس الأعذار للآخرين وأكثر استعدادا للتسامح معهم وأكثر احتراما لآراء غيره.. وأكثر استعدادا للتنازل عن رأيه إذا تبينت له أوجه الخطأ فيه”
تعلم ما الطريف؟ أننا كتبت الكلام السابق قبل أن أصل لهذه المقالة! ثم قرر أن يصف هو كلامه بطريقة تقريرية..
مقالة أحلام الشباب
أعجبتني قصّة الشاب الذي ظل يجري وارء حلمه أربعة عشر عاما، النجاح رحلة طويلة ليست بالسهلة، كل قصة نجاح وراءها عدد من قصص الفشل وليست قصة واحدة، والعامل الوحيد المشترك بين كل الناجحين أنهم فشلوا، لكن هل كان طلاقه لزوجته لأجل إكمال حلمه عندما طلبت ذلك أمرا ينخر في أصل الحياة؟ هناك قاعدة فقهية تقول: الغنم بالغرم، وهي قاعدة جميلة جدا إذا ما طبّقناها على الحياة، أنه لكل مغنم مغرم، تريد أن تنجح في شيء ستتخلى عن أشياء، واعذرني على هذا الاستشهاد الغريب، لكن هذه القصة ذكرتي بمشهد في فيلم أبو العربي عندما سُجن معاطي بسبب تعاطيه المخدرات، ثم ذهب له أبو العربي في السجن لاستخراجه فقال له حكمة عظيمة جدا: “بقى علشان مناخيرك تضيّع بقيّة أعضاءك!” وهذه هي الحياة، ستنفق قدرا من عمرك في شيء ستتخلى عن أشياء، تجد المتزوجون يشكون أنهم لا يأتون بكل ما يشتهون كما كانوا في العزوبية، أو أنهم ليسوا بنفس القدر من الحرية كما كان قبلا، نعم إن في رقبتك مسؤولية جديدة، وغدا يأتيك الأطفال، هذا غنم جديد زوجة وأولاد وأمامه غرم لا محالة، لن تحصل على الميزتين سويا، فالأعزب الحر الذي يأتي بما يشتهيه لأنه ليس ملزما بنفقة يحسدك على السكن والحب والاهتمام وأنك تجد من يطعمك في فمك، إذا فالفقهاء يقولون لكل غنم غرم، وأبو العربي يقول “بقى علشان مناخيرك تضيّع بقيّة أعضاءك” وهي الجملة التي أقولها دائما لكل أصدائي المقبلين على الزواج.. فيجب أن تدرك أن كل أمر ستقبل عليه ستتخلى أمامه عن كثير من الأمور.. ثم نجد أن هذا الشاب يشبه كثيرا بطل فانتازيا -سلسلة أحمد خالد توفيق- وهو زوج عبير، الذي طلّق زوجته السابقة من قبل لأجل انشغاله بجهاز فانتازيا.. ثم تزوج من عبير بعد ذلك..
نقطة أخرى في مقال أحلام الشباب هذا، وهو أنه ماذا لو لم يتزوج من البداية، معلوم أن في مصر الزواج على الشريعة الإسلامية، والطلاق على طريقة النصارى، الطلاق شبه مستحيل، فمن يتزوج يعلم يقينا أن هذه التي سيكمل معها بقيّة حياته لمالانهاية، ربما يختار الانسان عدم الزواج إذا كان حصيفا من البداية ويعلم من أمره أنه سيّعرضها للظلم في حياتها، فليس من الواجب على أي إنسان أن يجبر إنسانا آخر أن يتحمل الفقر مثلا لأجل أن يحقق هو حلم يحلم به، كما فعل هذا الشاب، وهذا الشاب الذي حقق حلمه وجد زوجته قد تزوجت من رجل هادئ لا يبحث عن أحلام، فقد سعد بتحقيق حلمه وسعدت هي بالحياة التي أرادتها، فهي ليست مخطئة تماما، وأعجبني أنه لم ينه المقالة بأنها ندمت بعد أن نجح بعد مرور أربعة عشر عاما، بل أذكر فيلم الإنمي Soul عندما كان سيودي بحياته فرحة للوصول إلى هذه المطربة المشهورة بعد أن كان مدرّسا مغمورا وكان هذا حلم حياته، ثم عندما وصل إلى حلمه بعد أن خاض معركة بين الموت والولادة من جديد، ذهب إلى الحفل وعزف وصفّق له الجميع، قال لها ثم ماذا؟ قالت نأتي كل يوم ونفعل نفس الفعل! شعر بالإحباط، هذا هو الحلم الذي ظللت أجري وراءه وأترك التفاصيل البسيطة التي صدعتني بها هذه الطفلة، نترك تفاصيلا كثيره فيها الكثير من البهجة لأجل حلم كبير، ثم إذا وصلنا إليه وجدناه باهتا، وجدناه أمرا عاديا، هذا الفيلم أصابني بالإحباط في الحقيقة عندما شاهدته أول مرة، بل قلت وقتها أنه فيلم يشجع انتحار، لكن وأنت ذاهب لإنجازك الكبير لا تنسى الإنجازات الصغيرة، لا تنسى أن تهنأ بحياتك بعض اليوم، لا تنسى أن تعيش يومك..
طيّب إذا وجدت نفسك قد تركت الزواج لحلم أكبر، فاعلم أنه لن يتحمّل توابع هذا الأمر شخص غيرك، وربما تصل إلى حلمك أو لا، ثم هناك نقطة أخرى يجب أن تحدد أنت مسيرة نجاحك ومعناه، وتعلم أن وقت النجاح لن يكون على المدى القريب، هذا الشاب نجح بعد أربعة عشر عاما، كل الناجحين مروا بسنين عِجاف، فلا تظن أنه بمجرد القرار أنك ستنجح، ومن العجب أنك تجد بعض الشباب هنا يسخرون ممن ينقطع عن الزواج مثلا لطلب العلم ويقولون يظن نفسه ابن تيمية، والإنسان إن لم يسخر من غيره يحدث له حادث، ثم يبدأ التنظير على الأشخاص في كونهم ناجحين من ناحية هل شرح متنا، هل ألّف كتابا، وهذه هي المشكلة أصلا في حصر معنى النجاح أو حتى العلمية.. فهل العالم هو شارح المتون؟ أو الناجح في دراسة العلم هو شارح المتون؟ حصر النجاح والحكم على الأشخاص وتثبيطهم هو عمل مواقع التواصل، وشغل الوصاية على الناس غالبا، وهذا المعيار معناه أن المنفلوطي مثلا حتى وإن درس في الأزهر، حتى وإن درس العلوم الشرعية، لكن لمجرد أن توجهه كان أدبيا فهو لا يمكن إطلاق لفظ عالم بالأدب مثلا عليه، أو على الأقل أن يكون ناجحا، ثم لو تمعّنا النظر لوجدنا أن معظم مؤلفاته مترجمات، العبرات مجموعة من القصص منها الموضوع ومنها المترجم، كتاب ماجدولين مترجم، كتاب الشاعر مترجم، كتاب في سبيل التاج مترجم، كتاب مختارات المنفلوطي هي مجموعة مختارات لغيره كما أنه غير مكتمل، الكتاب الوحيد ربما الموضوع هو كتابه النظرات الذي فيه مجموع مقالاته.. ثم هذه الكتب المترجمة عن الفرنسية، كان لا يعرفها كلغة أصلا، فكان الكلام يترجم له وهو يعيده بطريقته.. ثم ربما تجد هذا الشخص الذي يثبّط في الناس ليل نهار هو هو من يمدح المنفلوطي، أو يمدح علي طنطاوي وهو فقيه ولكن انتاجه أدبي فما معياره للنجاح؟
وليس معنى أن يتفرغ إنسان لطلب العلم الشرعي أو أي شيء اختاره عموما يُشترط منه أن يخرج علينا بنظرية عظيمة، أو يخرج لنا بمؤلف ضخم، لو أن شخصا اعتزل الناس ولم يتزوج وعاش عمره يقرأ ليخرج في النهاية يقول فعلت ذلك ليعصمني الله من الفتن وأحفظ أمر ديني.. فقط هذا هو ما خرج به بعد قراءة أربعين سنة.. لكان ناجحا..
إذا سلوك طريق تقطع فيه عمرك لتصل إلى الله هو طريق نجاح بلا شك.. وليس الأمر بتعديد المقروء وغيره.. وإلا هناك من علموا العلم ثم كانوا رؤوسا ضلالا فضلوا وأضلوا.. فما قيمة علمهم وشرحهم؟
فأصل العلم أن تصل به إلى الله، وإلا ما نفع العالم الذي تسعّر به النار؟
أذكر صديق ذات مرة قال لي وهو مغتاظ أنهم يقولون على فلان المشهور أنه يقول مجموعة خواطر.. والرجل يدرس العلوم الشرعية، فقلت له أصلا من يتحدث في هذه الأمور غالبا يخبط خبط عشواء ولن يخسر شيئا، ألم يتحدثوا عن الشيخ الشعراوي من قبل ويقولون أنه يتكلم بمجموعة من الخواطر فقط، وأنه ليس عالما، والشيخ الذي ذكروه بأنه إنما يتحدث بخواطر، فليأت أحدهم بالمصحف إن شاء وينظر، هل يخرج بهذه الخواطر؟ بجانب أنه يمتلك موهبة تحليلية إلا أنه لا يخرج بمثل هذه الأمور إلا من درس دراسة جيّدة، وليس كل موهوب ينظر في القرآن سيخرج بنفس النتائج أو حتى مقاربا لها إن لم يكن عنده علم بالعلوم الشرعية بل علم جيّد.. المهم في النهاية النجاح مساره طويل، والمثبطون كُثر، وأنت حكم نفسك لا الناس، وإن كانت نيّتك لله فأخلصها له، وإن لم تخرج في حياتك كلها إلا بأن عرفت الله حقّا، بأن قللت ساعات عملك لتستغل الساعات الباقية لتقول “اللهم يا واصل المنقطعين أوصلني إليك” فقط ترددها فيما فرّغته من وقتك.. إذا مت وأنت تشهد أن لا إله إلا الله.. إذا كانت دعوتك اللهم يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك.. كنت ناجحا، وكل ميّسر لما خلق له، ولا يشترط أن من يدرس العلوم الشرعية أن يكون شارحا للمتون، هي ليست طبعة تخرّج نفس النتيجة، كل شخص له تجربته في الدراسة، وله تجربته في التدين، كل واحد منّا شخصية فريدة، فانجح بما يسّره الله لك وما أظهره عليك، ولا تنجح بما يريد أن يطبعك عليه الآخرون..
مقالة أشواك الآخرين وغيرها..
أزعم أن أي شخص سيقرأ هذا الكتاب، سيجد نفسه كثيرا بين ثنايا سطوره، لا أقول أن التجربة المصرية واحدة، بل أقول إن تجربة الإنسان واحدة، لقد أظهرت “الكوميكس” العربية والأجنبية على الفيس بوك مدى تشابه الناس، نعم هذا “الكوميك” الذي تشاهده فتقول هذا أنا، أو تجد وصفا للأب أو الأم فتقول وكأنهم معنا في البيت، هذا الكتاب من هذا النوع، رجل مرّ بتجارب عديدة ليقول لك هذه الخلاصة خذها بعد تعب وجد، تريد أن تقترب أو تبتعد عن الناس؟ خذ قصة (القنافد) كأنموذج، تريد أن تتخلص من حياتك الثابتة، خذ قصة من الإغريق عن الرجل الذي غضبت عليه الآلهة، تريد أن تحقق حلمك خذ مقالة أو قصة أحلام الشاب، كل شيء موجود، ولكن لسخرية الحياة هناك أمر هام! هل تدري ما هو؟ لن تستطيع أن تأخذ بنصيحة أحد أو بتجربة الحياتية أو تشعر بقيمتها، إلا بعد أن تدهسك الحياة وتمر بنفس التجربة وتخرج بنفسك بنفس النتيجة، فعندها تقرأ تقول سبحان الله، هذه النتيجة أخذت سنوات من التجارب حتى أصل إليها ثم هي في سطرين فقط الآن، لقد عشت أوقاتا مريرة، لو كنت قرأت هذين السطرين قبل التجربة، ولكن الحقيقة يا عزيزي أنه لو قرأتها كنت ستمر عليها وأنت لاهٍ، هل تدري لماذا؟ لأنك لم تدخل بسؤال، فلن تجد إجابة، ولن تحضرك هذه الإجابة إلا بعد مرارة الحياة، القراءة تلخص عليك سنوات ربما، لكن مرارة الحياة وخبراتها ستمر بها مهما قرأت، بل وستمر بما قرأته وتبحث عن الإجابة مما قرأته وتأبى عليك إلا بالخبرة..
وإلا فالمدخلي أو الشمسي الأحمق الذي يطعن في علماء المسلمين لن يغيّر مذهبه بشخص يقول له القراءة الواسعة ستفتح عقلك إلخ.. ولكن سيغيّر مذهبه قارعة تحلّ به، ثم هو ذا ينتبه، ويقرأ، ويعلم أنه أورد نفسه المهالك عندما طعن في علماء المسلمين، سيقول كيف أوصلني حمقي إلى أن أطعن في أبي حنيفة والنووي وقد أجمعت الأمة على قبولهما بالتواتر، لو كنت أخذت بنصيحة توسيع الأفق! ولكنّها كانت أمامه كل يوم ولا يراها، فكأن الكتابة تعطيك خبرات بعد أن تدك بك الحياة دكّا، وتأبى عليك أن تفهم دون أن تتألم، لذلك قراءتك عن السباحة قبل أن تسبح، ستختلف قطعا عن قراءتك بعد السباحة، هي نفس السطور ولكن العين التي تقرأها مختلفة، هي فقط عين خالطتها الماء…
لقد قال كعب بن زهير “ما أرانا إلا نقول رجيعا ومعادا من قولنا مكرورا” وهناك مقولة أجنبية شهيرة تقول “لا جديد تحت السماء” بل وصل الأمر لدرجة من الاضمحلال حتى قال سعد زغلول “مفيش فايدة” ولكن هل معنى أن الحياة تكرر دورتها وأن الإنسان منذ أفلاطون بل منذ الدولة الفرعونية التي لم يصل لنا من أخبارها شيء يقولون كلاما نشعر وكأننا نمر به، إن قصة الطاغية تتكرر لكن معرفة الناس بها لا تمنع وجود الطغاة على مر العصور، ستمر به مهما حدث! بل المضحك أن من يضيّع الأمة في الغالب نخبتها، نخبتها التي تقرأ وتصدّع دماغ الكوكب بأن التاريخ يعيد نفسه، وهم يعيدون أنفسهم مع التاريخ! فهل علمنا بالتاريخ الماضي جعلنا نوقّف التاريخ الحالي المكرر؟ هل ابتدع الإنسان في تجربته الإنسانية تجربة فريدة جديدة؟ أم أن الإنسان فعلا كائن ممل؟ الحقيقة أن الإنسان فعلا كائن ممل، مهما تجبّر هل يكون أكثر من فرعون؟ مهما بلغ به جنون التجارب الجديدة وعدم الركون للروتين، بدلا من أن يتزوج بامرأة قرر أن يتزوج برجل، سيجد أن قوم لوط قد سبقوه بهذه الفكرة الـ creative، ولو كانوا أحياء لقالوا له “ري”، الحقيقة أن الإنسان داخل دائرة تجريبية محدودة مهما بلغ علمه، ومهما بلغ به الجنون، كل شيء فعلته قد فعل من قبل، لن تتزوّج حتى تكون فريدا؟ فعلها من قبلك أناس كثيرون أيضا، فكّر في أي فعل خارج عن الطبيعة، سبقك بها الأولون.. فأنت وإن كنت الأخير زمانه، لن تأتي بأكثر مما أتى به الأوائل.. هي فكرة محبطة بعض الشيء أحاول أن أقاومها، لكن على الأقل تستطيع أن تأتي بما أتى به الندرة والقلة في الأفعال الحسنة طبعا.. إذا ما الذي يمكنني أن أخرج به من الكتابة إن كان يجب أن أذوق مرارة الحياة في الحالين، الحقيقة أن الكتابة ستهوّن عليك، عندما تجد من مر بنفس تجربتك تشعر بالسلوان، عندما تقرأ مأساة تشبهك ستبتسم وتقول في نفسك لقد مررت بهذه الكارثة من قبل، لكن ستجد أشخاصا مروا بكوارث أكبر، وقتها تنظر في الأرض وأنت تظن نفسك أكثر الناس بلاء وتحمد الله على العافية، تعلم أن الله لم يبليك بفوق ما تطيق، في النهاية الكتابة سلوان، الكتابة صديق تبحث عنه طوال حياتك يشاركك نفس خواطرك فلا تجده، الكتابة هي السر الذي بين جنبيك تريد أن تخبر به أحدا لكن لا تأمن جانبه، هي أمان الجانب… وتجد مناقشة من يظن أنه الوحيد صاحب المشاكل في مقالة “احترس من الحوت” وفي نفس المقالة ذكر دعاء لفيلسوف إغريقي قديم يقول “يارب امنحني القدرة على تحمّل ما لا طاقة لي على تغييره، والشجاعة لتغيير ما ينبغي تغييره، والحكمة للتفريق بينهما” والنقطة الأخيرة في الدعاء عظيمة، القدرة على التفريق حتى لا تعيش حياتك أمامك عمود من الخرسانة وتصر على إزاحته، وهذا الدعاء دائما ما كان يتمثّله دكتور عماد رشاد وإن لم تخنّي الذاكرة فقد كان يشبهه بدعاء “اللهم أرني الحق حقا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلا وارزقني اجتنابه” وهو دعاء عبقري حقا، إن صاحبه لم يقل اللي ارزقني اتباع الحق مباشرة، بل قال أرني الحق أولا، القدرة على التفريق، هذه هي الحكمة كما في دعاء الفيلسوف الإغريقي، والدعاء الأخير منسوب لسيدنا عمر رضي الله عنه..
من النقاط أيضا التي التقينا فيها أنه ليس لك الحق أن تلوم على من أفشى سرّك، لأن صدرك ضاق به أولا، فكيف بصدر غيرك؟ وقد تحدّثت عن قيمة السر من قبل في منشور كامل، وأنه يكتسب قيمته من الدائرة التي يُفشى فيها، فإذا أفشيته في غير دائرتك فلا قيمة له ككونه سرّا، لذا ربما تجد رجلا بجانبك في المواصلات يحكي لك قصّة حياته كلّها، وربما خلافاته مع زوجته ويقول لك أنت أول واحد أحكي له هذه القصة، لماذا؟ لأنك لست في دائرة تأثيره فهو لا يخاف منك أن تفشي سرّه.. أذكر أن شخصا كان يلعب معي شطرنج حكى لي خلافاته مع والدته وما حدث في بيتهم منذ طفولته وقال لي أنت أول واحد أخبره بهذا الأمر! أنت صديقي الصدوق الذي سأحدثّه لمرة واحدة فقط..
مقالة وفي الحديقة.. نسيت نفسي
هذه المقالة هي من النقاط التي نتقاطع فيها سويا أيضا.. وهي تفضيل الصناعة الأدبية على الصناعة المادية، فالبيان والأدب والأخلاق يأتي قبل المادة وهو معبر عن الأمة أكثر من صناعتها، وصدق من قال “ ما القيمة إذا تقدمت الآلة وانحط الإنسان” فهو كان كل دولة يذهب إليها تأخذه إلى مصانعها، ولكن هو لا يهتم بذلك مع أهميته، لكن هو يريد أن يرى أدباءها وآثارهم.. وقد تحدثت في أكثر من خاطرة عن هذا الأمر من قبل..
مقالة صباح سعيد، ومقالة حرب النظرات
كانت مقالة صباح سعيد وحرب النظرات هي من المقالات التي تُقسم لك أن التاريخ يعيد نفسه.. الأولى مبكية تحكي عن شاب من الاخوان تم القبض عليه فقرر ترك هذه الأمور بعد خروجه.. وكان لها علاقة بعضو مجلس شعب.. يتبع الأحزاب القديمة لكن ليس اخوانا على الأقل.. المهم بعد عشر سنوات من انقطاع هذا الشاب عن هذه الأمور… تحدث حملة اعتقالات موسمية.. ويتوجس هذا الشاب خيفة من اعتقاله.. ويحدث فعلا ما كان يخافه، ومصر هي الدولة الوحيدة التي تحاسبك على أخطاءك مدى الحياة، هذا إن الأمر خطأ أصلا، فإن كان في مقالة صديقي لا تأكل نفسك يقول لك الكاتب “إن الله يغفر لنا أخطاءنا، لكن جهازنا العصبي لا يغفرها” فهو هنا يقول لك “إن الله يغفر لنا أخطاءنا، لكن مصر ام الدنيا لا تغفرها” وكما قال تميم في قصيدته قالوا لي بتحب مصر “ دلوقتي جه دوري لأجل بلادي تنفيني، وتشيب أمي في عشرينها وعشريني، يا أهل مصر قوليلي بس كام مرة هتعاقبوها على حب الفلسطيني” وهذه مصر الحبيبة أبد الدهر لا تكتفي بمعاقبة مرة، بل في كل حملة جديدة أنت معاقب قطعا..
يذهب أهل الشاب لعضو مجلس الشعب، يتواصل بعلاقاته مع أجهزة الأمن، ثم يطمئنهم، لا تقلقوا سيخرج قريبا، هو مجرد تحري فقط، هو ليس متهما بأي شيء، ليطمئن الأهل، وليبعثوا إليه برسالة في السجن ليطمئنوه، فيسعد لها، ويمر الشهر تلو الشهر، ثم إذا صاحبنا الشاب خارج من زنزانته إلى الحمام، فيقابل في طريقه إلى الحمام من؟ إذا كنت مصريا ستعلم قطعا أنه عضو مجلس الشعب، قد سجن معه، مظلمة العصر كما قال أحمد السيد، وكما يقول الشيخ كشك ٩٩٪ من الظلم في مصر، و!٪ يطوف بالعالم ثم يبيت في مصر، يسلم على عضو مجلس الشعب، ليقول له العضو المكرّم، لا تقلق أنا تواصلك مع معارفي وستخرج قريبا، ليكتم الشاب ضحكة ينفجر بها بعد أن يتركه، ولأبكي أنا ظلما لا ينتهي عن هذه البلاد..
ثم مقالة حرب النظرات باختصار كانت عن جمال عبد الناصر الذي اشتكى مستشفى القصر العيني.. فذهب الكاتب ليحقق في الأمر.. فقابل أولا وكيل جامعة القاهرة الذي يتبعه المستشفى وكان أستاذا جامعيا معروفا، فقال الكاتب أنه استقبله في مكتبه بترحيب شديد بالرغم من أن جو التحقيق يوحي من البداية بأنه سيكون هجوميا وسيركز على سوء الخدمة ومشاكل الإدارة، ولكن رغم ذلك ناقشه الرجل بهدوء وموضوعية، وشاركه الرأي في سوء حال المستشفى إلخ..
في الخطوة الثانية كانت مقابلة مدير عام المستشفيات، وكان ماذا؟ جنرالا سابقا من أهل الثقة الذي وضعوا في المناصب الكبيرة للثقة في أشخاصهم بغض النظر عن كفاءتهم.. والله التاريخ يعيد نفسه.. وكانت حرب النظرات مع هذا الجنرال الذي يهدده تهديدا مبطنا.. والفرق الشاسع بينه وبين وكيل جامعة القاهرة وطريقة الحوار!
في النهاية لو قلت خاطرة حول كل مقالة لن ننتهي في يومنا هذا.. لذلك أنا أقرب إلى الكسل مني إلى النشاط في المراجعات.. لأنها تأخذ وقتا أكبر من وقت قراءة الكتاب.. إلى هنا ننتهي يا أصدقائي، وآمل ألا أكون أثقلت عليكم..
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.