هذه أول قراءة لأنيس منصور، ومصدوم من مستوى الكتاب، هو كتاب مقالات، وهو أقرب لمقالات الجرائد التي تستحق أن تبقى في الجرائد لا تخرج منها، فالكتاب لا يرقى لمقالات الرافعي مثلا كوحي القلم، ولا يرقى لمقالات المنفلوطي في النظرات، ولا يرقى لمقالات طنطاوي في صور وخواطر أو فصول من الثقافة والأدب، بل لا يرقى لمقالات أحمد خالد توفيق كشاي بالنعناع أو قهوة باليورانيوم أو غيرها، حتى مستوى كتاب أحمد خالد فقاقيع بالنسبة للإضحاك وبعض المعلومات أفضل من هذا الكتاب، بالرغم من تسميته فقاقيع لأن الفقاعة لا تدوم كثيرا، ومقالات الكتاب لا تدوم أكثر من خمسة دقائق! وإن كان أحمد خالد توفيق يأخذ حذره بأسماء مثل "الغث من القول" و "فقاقيع" فكاتبنا هنا أخذ حذره باسم "لعلك تضحك"
لعلك تضحك...
فالكتاب على المستوى الأدبي -وهذا راجع لذوقي- لا يرقي لكل مما سبق، وكنت أظن أن الرجل على شهرته ستكون كتابته مبهره، هذه النقطة الأولى.. وهذا ما حدث لي على العكس تماما مع مقالات طنطاوي عندما كان يقول في مقالاته أن مجلة كذا طلبت مني هذا المقال فكتبته!
لأني أظن أن الكتابة تخرج من الإنسان ابتداء فإن خرجت مخرج الطلب كانت متكلفة لا روح فيها، ولكن كانت مقالاته عظيمة كأنها خرجت منه ولم تُطلب..
أما هذه المقالات فكأن أحدا دفعه دفعا ليكتبها..
لاحظت أيضا أن هناك أكثر من مقالة- لم يحدث الأمر مرة أو اثنين أو ثلاثة بل أكثر- يحدث فيها تكرارا، فيكرر جزءا من المقال السابق في مقال بعده بصفحات، وهذا معيب خاصة لو كان في نفس الكتاب! ولا أدري هل عندما جمع مقالاته لم يقرأها؟! على الأقل لا تجمع عدة مقالات فيها تكرار لفقرات معينة في نفس الكتاب.. أحمد خالد توفيق كان يكرر بعض المقالات لكن في كتب مختلفة وليس في كتاب واحد..
كلامه عن إسرائيل مستفز، وأنا لم أعرف الكاتب معرفة جيدة قبل القراءة، لكن يبدو أنه يجلس على حجر السلطة مستريحا، لكن هناك شيء من السماحة والوقوف في جانب السلام الساداتي وتقارب مع السلطة فج كونه عضوا بمجلس الشورى..
ذكر أكثر من 500 مرة في أكثر من مقال أنه نباتي، ماشي يا ريس ربنا يوفقك..
الكتاب اسمه لعلك تضحك، والحمد لله أن اسمه لم يكن "ستضحك" لأني لم أضحك تماما إلا في آخر مجموعة من المقالات..
المقالات متراوحة بين علاقاته بالمشاهير من الفنانين والسياسيين والصحفيين وسفرياته.. كل الكتاب يدور في هذا الفلك.. موقف مع الرئيس مبارك، موقف مع السادات الذي كان يجمع الطعام من على الأرض لأن أنيس منصور إذا أكل يوقع الطعام على نفسه، وهذا الموقف بالذات ذكرني ببوتين عندما قال في لقاء صحفي أن امرأة أعطته ورقة وقالت لا تضيعها ولكن الأمن ضيعها ثم بكى وهو يتحدث، كم كان قلبه رحيما، يبدو أن هذا الرجل الطيب لا يعلم بشأن البراميل المتفجرة في سوريا! المشكلة أن الناس في التعليقات تقول كم أن قلبه رحيما، ولا عجب إن كان فيهم سوريون..
هناك موقف آخر مع عدة رؤساء منهم مبارك وملك الأردن واسحاق رابين، فكان مبارك يعرّفهم برؤساء التحرير، فقال الأخير رؤساء التحرير يحضرون لك! في بلدي يهاجموني، فقال أنيس منصور: وهنا أيضا يهاجمه رؤساء التحرير..
ومنها مواقف مع الصحفي كامل الشناوي، وكم أن أنيسا يستيقظ مبكرا في الرابعة صباحا وهذه عادته، حتى لو كان نومه في الثانية صباحا..
أعجبني رأيه في تغيّر الصورة، وفي من يمدح في الشيوعية إذا علت، ثم يتخلى عنها إذا بهتت، ومن يمدح في الرأسمالية إذا علت ويذمها إذا خفتت، وهذه النقطة سأكتب فيها بالتفصيل معلقا على كلامه فيما بعد إن شاء الله..
مما أعجبني أيضا كلامه عن التطور العلمي، وأننا سنفقد أطرافنا ونصبح مثل الكرة، وهذا ما قلته قريبا في القناة، أننا كلنا سنجلس على كراسي متحركة ونصبح مثل فيلم WALL E ، ولكن تصوره كان أكثر تطرفا وهذا مما أعجبني، وكان مبكرا أيضا، فأنا كنت أرى أننا سنجلس على كراسي كهربائية متحركة من شدة الكسل، لكن هو يرى أننا سنفقد جميع أطرافنا من شدة الكسل، لأننا لن نستعملها وسنصبح عبارة عن كرة..
كلامه في آخر وأطول مقال عن الفرق بين الوزارة العالمة والوزارة العلمية، والفرق بين الإدارة والوزارة.. كلام جميل جدا والمقالة تحتاج لنقلها كاملة لا لجزء منها.. وأن أمريكا لها إدارة ومفهوم ثابت كل من يأتي يسير عليه، وليس الأمر متعلق بشخص الوزير أو الرئيس..
هناك مسلسل كتبه أنيس منصور، وسافر يوسف وهبي قبل اكتمال الحلقات لعمل فني بالخارج فقرر أنيس منصور قتله في المسلسل، فبعث له يوسف وهبي: لا تقتلوني، سأرجع غدا.. كان هذا الموقف طريفا.. إلى الآتي:
وكان المسلسل تقريبا 17 حلقة، ولكن جاءت أوامر بأن المسلسل أعجب ملك الانتصارات جمال عبد الناصر، وأنه من المستحسن أن يطيلوا حلقات المسلسل إلى 30 حلقة فأطالوه .. فالدولة من قديم تسير بالأوامر.. فالإعجاب بأمير كرارة وفرضه على الناس ليس أمرا جديدا..
هناك مقالين أو ثلاثة عبارة عن عبارات مأثورة له.. أغلبها عن الزواج.. وأغلبها تنمر على المرأة.. ربما كان التنمر على المرأة وقتها مسموح به.. أما الآن عجبي على الزمان..
الجملة الوحيدة التي أذكرها:
"لم أتزوج قط، وتمنيت لو أن أبي قد فعل ذلك"
ربما عندما أرجع للكتاب أنقل المزيد..
المقالات تتأرجح بين العامية والفصحى، الأمر أشبه بما يفعله بلال فضل، هو من بلال فضل يكون ممتعا أحيانا، لكن من بعض الناس لا يكون مستساغا، مثل الدكتور محمد طه، فكتاباته العامية تستحق أن تُحرق ولا يغفر له إلا إن أعادها بالفصحى، والقدرة على الكتابة بالعامية والفن المتعلق بها، أو مزج العامية بالفصحى ليس سهلا، فإن كنت لا تستطيعه فالزم القوانين..
رأيي أن الكتاب لا يكون إلا بالفصحى، ولا تتلاعب بعقول الناس بأن العامية أقرب إليهم، فأنا أجزم جزما أن العامية أصعب في القراءة من الفصحى، وكتب محمد طه عانيت منها، العامية لا تليق إلا بأفلام ديزني.. لكن العامية لم تكن فجّة في هذه المقالات لهذه الدرجة، لكن اللغة ليست لغة عالية على كل حال.. والأسلوب عادي جدا.. أسلوب صحفي في أي جرنال..
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.