أَشْبَهُ كائن للمرأة هو القط، فهو كائن يظن أن الكون قد تمحور حوله، يظن أنه فريد، يسلك سلوك الأسد وإن كان قطّا، لكن هو من فصيلته، يُحب الدلال ولا يدللك، يطلب الطعام ولا يرى لك منّة عليه، ويأتيك لتدلله وقت ما يريد هو لا وقت ما تريد أنت حتى وإن كان الدلال له هو، فإن اقتربت في حالة لا يريدها منك إما أن يصيبك بمخالبه أو أن يغرس أنيابه في يدك، نعم ربما يفعل ذلك برقّة لا تؤثّر فيك، لأنه في النهاية يعلم أنك رفيقه وصاحبه، لكن اسم الفعل هو خربشة وعض، أنت بالنسبة للقط ATM توفّر الطعام والشراب، لو توقفت عن هذا لترك لك البيت وغادر، الدعم العاطفي جزء زائد على المال،فالمال هو الأساس، لو قررت يوما ما أن تقتسم مع القط كسرة خبز على أن تملّس عليه بقيّة اليوم وتأخذه في حضنك، لقطّعك القط إربا، نعم القط يحب أن يُملَّس عليه لكنه يحب الطعام أكثر، ويحب تنوع مادته، فإن أبليته بطعام واحد ملّه وملّك، وشهيته تنفتح على كل طعام وإن كان بين الوجبة والأخرى دقيقتين، ولا يشبع من صنف واحد، فهو يأخذ من كل صنف بضع لقيمات ويملّه، لكنه كائن متأقلم، إن دام نفس الصنف أكل منه ما يسُد رمقه.
لكن كل هذا لا يهمني، ما يهمني هو طلب هذا الكائن للحرية، لو أنك حملت هذا الكائن عنوة من الشارع وهو يأكل من خشاش الأرض، ثم وضعته في بيت فيه ما لذ وطاب من الأطعمة التي لم يجربها قط، ثم أغلقت عليه باب البيت، لن يصبر هذا القط على هذه المعيشة لحظة واحدة، وسيطرق لك على الباب ليل نهار، بل سيعافي الطعام الذي لم يرَ مثله قط ولن يمسه وإن كان بينه وبينه الموت، لأنك سلبت منه أهم شيء وهو الحرية، والقط وإن كان يستغني عن الدلال لأجل الطعام، فإنه يستغني عن الطعام لأجل الحرية...
ولو كان الموقف مغايرا، لو كان هذا القط قطّك، لو كنت توليه رعايتك ومحبتك، لو رأي منك حبّا وإخلاصا واهتماما لا أخذا بالعنوة، لترك فسحة الشارع إلى ضيق بيتك، وللزمك حيث تسير، فإن وضعته في بيتك لم يخرج إلى حياة الشارع يأكل من خشاش الأرض، ولحفظ لك فضلك، وفي هذه المرة لن تحتاج إلى إغلاق الباب عليه لكي لا يهرب، بل ستترك بابك مفتوحا، ولن يخرج، لأن بيتك هو بيته، وحياتك هي حياته، ليس فقط لأن القطط تتعلق بالمكان لا بالأشخاص، لا، بل ستجده ينتظرك عند عودتك من عملك، ينتظر وقت تدليلك له، هذا لا يعني أنه سيُغيّر سلوكه كونه قطا، أو أنه لن يطلب الطعام كل خمسة دقائق، أو أنه سيقدّم الدلال على الطعام، والحب على المادة، أو أنه سيراك شيئا أكبر من الـATM ولكن تغيّر مفهومه للحرية، ولم يتغيّر هذا إلا لسلوكك تجاهه من الأخذ عنوة إلى الأخذ باللين، ومن إيصاد الباب إلى تركه، فإن كان الحال واحدا في الحالين إلا أن التعبير عنه مختلف... لن تتغيّر القطة عن كونها قطة، لكنها ربما تسلك سلوكا مضادا، ربما ترى قطة بعد أن كانت تعيش على الفئران في الشارع، تتعافى حتى أن تراها وهي أصل فطرتها... ولم يغير هذا من كون وصفها قطة.
