منذ فترة كنت أفكّر لماذا الإنسان الكسول بطبعه يقوم خمس مرات في اليوم ليصلي، لا وأيضا في أوقات متفرقة، مع أن أمامه فرصة إنه (يخبط) الخمس صلوات في وقت واحد، وربما وقتها -ادّعاء- يختار الوقت الأفضل له والأكثر حضورا فيه، لكن بالرغم من ذلك فالصلوات الخمس على أوقات متفرقة، وعلى الأقل هناك صلاة منهم ستأتي وأنت نائم لا محالة، وتوقظك من نومك، وأنت تسأل نفسك؟من أنا؟وما الذي أتى بي إلى هنا؟
عن حكمة التقطيع.. كيف تُنقذنا الصلاة من الاحتراق؟
أحيانا يطرح علينا عقلنا سؤالا، ويكون مجرد الطرح فقط راحة للبال، وإن لم نجد جوابا، ومن المعلوم أننا لم ندرك علّة مواقيت الصلاة ولا عدد ركعاتها وإنما هي لحكمة يعلمها الله، ولكن هناك اجتهادات ومقاربات في أمر المواقيت..
ولعل من أظهر الأمور في جعل الصلاة متفرقة هو الربط الدائم بالله، نعم في أحوال الإنسان المختلفة خلال اليوم، في عز اندماجك في عملك، تأتيك صلاة الظهر، لتترك العمل، وتدرك أن محبتك لله وعلاقتك به أولى من كل شاغل دنيوي، ربما في سهرة مع الأصدقاء مليئة بالضحك والمزاح، تقطعها لتصلي العشاء، في عز نومك في الفجر تقوم مرة أخرى لتذكر الله..
ذكر لله في جميع أوقاتك، الأمر ليس تكليفا تقوم بالتخلص منه في بداءة يومك للتفرغ للدنيا ومشكلاتها وكأنك قد خلقت للدنيا، هنا الأمر على الضد تماما، الصلاة هي محور اليوم، وكل ما بينها فواصل لها، وانتظار الصلاة بعد الصلاة!
خمس اختبارات في اليوم والليلة، في كل مرة تُسأل، أتقدم الصلاة على عملك؟ أم تقدم عملك على الصلاة؟
أتقدم جلسة الأُنس على الصلاة؟ أم تقدم الصلاة على جلسة الأُنس
تقدمها على بيتك وأولادك؟ أم أولادك وبيتك أولا!
ويظل هكذا الاختبار، وأنت بين اثنين، متثاقل متكاسل ترى الصلاة تقطع عملك أو العكس...
وقد كان في كتاب العادات السبع شبها لذلك ذكرته من قبل.. بحسب محورية الإنسان يكون سلوكه، فإن تعرض لموقف معين، فأي الأشياء يقدم في كل موقف من المواقف المختلفة، هو الشيء الذي يتمحور حوله، وإن ادّعى عكس ذلك!
انظر في مواقفك المختلفة، دينك، عملك، زوجتك، أهوائك، أي شيء تقدمه على البقية هو ما تتمحور حوله تماما...
وتقول نفسي لو أنّك ذكرت ربّك مرة في اليوم، فسيدوم تأثير ذلك معك، أو ما المشكلة أن تجلس يوما في بداية الأسبوع، أو أن تختلس يوما من أيام إجازتك، تقرأ فيه ما شئت من القرآن، وتصلي ما شئت أن تصلي، ثم تبقى بقيّة أيامك بين العمل واللعب.. وبهذا تفعل الاثنين، ولا مشكلة من جمع كم عبادات الأسبوع في يوم..
وتأتي الإجابة العملية، بُعد عن القرآن، لأيام قلائل، ليس لأسابيع أو أشهر معدودة، لتشعر النفس بشعور وكأنها تدخل في الإسلام من جديد لمجرد سماع قرآن الفجر، وكأن هذا الكلام جديد على مسامعها، شعور كأن ماء لامس سطحا مشتعلا بالحرارة، ربما النفس لا تشعر بهذا الشعور بشكل اعتيادي إذا كانت تتعرض للقرآن، فكأنها سطح ساخن يتعرض للماء البارد فأطفأ حرارتها، فتظن هذه النفس أنها باردة في سلام، وأن تعرضها مرة واحدة لكم كبير من الماء شيء كافي لجعلها باردة باقي الأسبوع!
تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا.
إذا فالأمر لا يتعلق بكميّة تؤديها وتتخلص من ربقة تكليفها، ولكنّ الأمر متعلق بيومك كله، أما إن كنت ساه لاه في صلاتك، فكأنك تسكب الماء على غير موضع الحرارة... وليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها..
قال الله عز وجل: "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ" وأجمع المفسرون على أنه أراد به: صلاتكم إلى بيت المقدس، فثبت أن الصلاة إيمان، وإذا ثبت ذلك، فكل طاعة إيمان، إذ لا فارق يفرّق بينهما. (تقريب الشعب)
وقال أيضا: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا"
وقال : "وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ "
وقال: "وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا"
قال عبد الله بن رواحة لصاحب له: تعال حتى نؤمن ساعة، قال: أولسنا بمؤمنين؟ قال: بلى، ولكنّا نذكُر الله، فنزدادُ إيمانا.
وعن عمير بن حبيب بن خماشة، أنه قال: الإيمان يزيد وينقص، فقيل له: وما زيادته؟ وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا ربّنا وخشيْنا فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسيْنا وضيّعنا؛ فذلك نقصانه. (تقريب الشعب)
إذا فالأمر لا يتعلق بالكم فقط، وإنما في التوقيت نفسه حكمة وعبادة، والإنسان الحصيف هو من ينظر إلى نفسه من منظور يومه، فيُتم عبادة يومه على أكمل وجه، لأن التعامل مع الدين والعبادات بنظرة هنعوّض في الفاينال هو بداية خراب القلب وتلفه.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.