الزواج رابطة من أعجب الروابط في العلاقات البشرية، وقد وصفه الله عز وجل بالميثاق الغليظ، ولكن العجب أن تجد بعد عمر غدراً من أحدهما للآخر، فإن كان هناك غدرٌ في هذه الرابطة العجيبة والميثاق الغليظ ففي أي علاقة مما سواها تجد أمناً؟
القصص لا تنتهي في ذلك ولكن آتيك مما سمعت به في دوائر قريبة؛ زوجان مضى على زواجهما 25 عاماً، ثم فجأة يترك الأب الأم دون أي مقدمات، ويترك ابنتهما في الجامعة هكذا معلّقة، ثم يذهب للزواج بأخرى ويطلّق الأولى دون إبداء أي أسباب.
وأما القصة الثانية فلأُخرى كانت هي الغادرة، عندها أبناء ولأبنائها أبناء، فهي جدّة ولها أحفاد، فعلى أقل تقدير قد جاوز زواجها الثلاثين عاماً، ثم ما كان منها إلا أن تركت زوجها وأولادها، وقالت له أنها لا تحبّه هكذا فجأة، وابتعدت عن أبنائها، حتى قالت لها إحداهن: أنتِ بِعتِنا.
وقد ذَكَرْتُ قصّتين مرة للرجل ومرة للمرأة من أرض الواقع، لبيان أن الخيانة لا تتعلق بجنس أو نوع، وإنما هي متعلقة بالنفس البشرية أصالة، وقد حاولت التأمّل في الأمر، كيف لاثنين يقضيان عمرهما سويّاً، عاماً تلو عام، يأكلان ويشربان، تتلاقى أعينهما كل يوم، يتحدّثان في كل أمر دقيق، لا تغيب عن الأول شيء من دقائق أحوال الثاني والعكس، يحفظان بعضهما بعضاً في أبسط الصفات والطباع، ثم تنقلب الآية بين يوم وليلة ويصبحان أعداء! كيف لنظرة العين هذه أن تتبدل، بل كيف لعين نظرت بعاطفة يوماً، أو بكت في مرضه يوماً، أو ضمّها في وقت خوف يوماً أن ترفعها عليه في محكمة من المحاكم يريد أن يطغى بعضهم فيها على بعض!
وأرجع إلى نفسي مرّة أخرى وأقول: لو أن رجلاً حُكم عليه بمؤبّد، خمساً وعشرين عاماً يقضيها في السجن، هو مجبر على السجناء معه ولا شك، لم يختر مع من يكون في زنزانته، في النهاية سيرافق سجيننا هذا واحداً من هؤلاء السجناء، الله أعلم ما الذي اقترفه ليأتي به إلى هنا، لو أن هذين السجينين، المجبرين على علاقة صداقة لجامع بينهما هو السجن الذي هو في الأصل لأراذل الخلق! لن يخون بعضهما بعضاً، إذا عاشا سوياً خمساً وعشرين عاماً، لن يطعن أحدهما الآخر لأجل العيش والملح! فما بال الزوجين يطعن أحدهما الآخر!
إن الغدر أمر متجذر في الجنس البشري، ربما بدأ مبكرا عندما قتل قابيل أخاه هابيل لأجل امرأة حسناء، مرورا بيوليوس قيصر الذي جسّد شكسبير معاناته عندما تلقى الطعنات، ووجد من بين طاعنيه صديقه، فلم يأبه بأي أحد إلا بطعنته فقال: "حتى أنت يا بروتوس؟"
وصولا إلى الألفية الجديدة لملحمة إبراهيم الأبيض وصدمته في صديقه عشري: "بعتني بكام يا عشري؟" لباب جديد في الغدر والخيانة.
قصصت عليكم من قبل قصّتنا كصديقين، كان الأمر دولاً، يعزمني وأعزمه، وصادف هذا اليوم أنه من كان يعزمني على الطعام، وكنت أنتقده في أمور وأشتد عليه أحياناً أثناء المناقشة، ولكن في ذلك اليوم عندما ناقشني في أمر استحييت أن أرد عليه، أو أن أنتقده، فما كان منّي إلا أن قلت هذه أول مرة أفهم مَثَل: "اطعم الفم تستحي العين"، فأنا لا أستطيع مجادلتك لأنك عزمتني اليوم فلك عليّ منّة!
وبالرغم من سوء هذا المثل، وأن مؤلّف هذا المثل إنما ساقه مساق الذم، إلا أنه يجعل صاحبه يستحيي من فعل مباح في أصله بل ربما يجعل الشخص مذعناً لِمُطْعِمِه، فإن كان يفعل ذلك في مباح، فهو أولى أن يبتعد عن الغدر.
ثم ذهب إلى الخليفة بعدها ليعفيه من منصب القضاء، وعندما سأله لِمَ؟
قال: قبل يومين جاءني طبق رُطب... فرددتهُ.
وفي اليوم الثاني حينما وقف الخصمان أمامي، تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدّم لي طبق الرُطب!
قال: هذا وقد رددتهُ إليه، فكيف لو قبلته منه؟!
وهذا على المحمل السيء لمثل "اطعم الفم تستحي العين"، فما بالنا لو قلنا "بيننا عيش وملح" فهذا أليَق ولم يُقصد منه الذم في صكّه كالثاني.
أو حتى نتنزل إلى "من آمنك لا تخونه، ولو كنت خائنا".
دائماً ما أرى هذا المثل من أبلغ الأمثلة، إن كنت ترى أن فلاناً شخصاً شديد الخيانة، فقط هاته وأعطه ثقتك، فجأة سينقلب حاله تماماً لأنك أعطيته ثقتك!
فكيف بمن آمنتك على حياتها خمساً وعشرون عاماً أن تطعنها في ظهرها! لو كان طبعك الخيانة لرحمتها، وأظل في حيرتي ما الذي يدفع إنساناً للإقدام على الغدر، وأفكّر هل هذه المرأة في شبابها كانت محقّة في إرادتها العمل خشية الغدر! ولكن هل الزوج هو الغادر أم أن الإنسان عموماً في طبعه الغدر.
الأدهى أن لا تأتي الطعنة من زوج -وإن مكث زواجكما خمساً وعشرين عاماً إلا أنه شخص تعرّف عليكِ وتعرفتي عليه-، ولكن أن تأتي الطعنة من أخ، ولدتما سوياً، تربيتما معاً، نفس البيئة والمعيشة، ربما تنظرين أنتِ وأخيك إلى أعمامك وأخوالك في حداثة سنّك وهم يقطّعون بعضهم بعضاً على الأموال، تقولين في نفسكِ: هل هؤلاء نشأوا سوياً؟ لا تصدقّين أن عمّك فلان نشأ في بيت واحد مع عمتك فلانة، كيف أصبح بينهما هذا البون الشاسع؟ ألا يذكران لبعضهما شيئاً من المودّة؟ حضن في الطفولة، مائدة اجتمعا عليها؟ هدية أهداها واحد منهما للآخر، نائبة صبّر بعضهما بعضاً، أو فرح تشاركا إيّاه، إن من يراهما لا يظنّ أنهما إخوة أبداً، كل هذا لأجل الأموال والميراث، هؤلاء الأوغاد الذين يجتمعون في بيت الوالد بعد وفاته بيوم أو يومين ليُسمع صوتهم العالي لأجل الميراث، تنظرين إلى أخيكِ وتعلمين أنكما غير هذا، وأن هذا جيل قد تبلّدت فيه المشاعر، ولا تعلمين أن خالك كان أخاً من قبل كأخيك، وأن خالتك كانت أختاً مثلك ولا تدرين ما تحمل لك الأيام، ولا يدري ما تحمل له الأيام، تقطعان الوعود على الحب والمودة، ويكون لتداول الأيام عليكما معنى آخر في كل نفس من نفسيكما، فظالم ومظلوم.
أي مال يكتنزه الإنسان هو أحب إليه من أخيه وزوجته وصديقه.
وكأنّي بها تعود إلى بيت أخيها، فتجد وجهاً غير الذي تعرفه، وأخاً غير الذي تربّت معه، ربما حالها الآن أشبه بـ(اسكتش) لأحمد أمين، عندما عادت إليه أخته غاضبة من زوجها، فقال لها أنتِ تقعدي في بيت أخيكِ "ملكة متوجة".
وأترككم لخيالكم في طريقة التتويج التي تمنّت بعد أول يوم لها عنده أن لو رجعت لزوجها!
إن نزعت ثقتك من كل هؤلاء فثق بالله، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، هو من سيؤمنّك إذا خفت، ومن يحميك من غدر كل قريب وبعيد.
وراجع إلى رب العباد... فكل ما يأتيك منه.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.