ربما تعاشر بشرا زمنا، ثم لا يتبيّن لك منهم إلا عند أول موقف صعب، أو عند أي بلاء كان، هذا الذي رافقك عمرك كلّه تعرفه عند أول أزمة!
أحيانا يتحامق بعض البشر في تكلّف ابتلاء رفيقه، لكن تداول الأيام كفيل بهذا، لا تحتاج لاختبار الناس، لأنك لن تحب أن تُختبر، كذلك ليس كل ابتلاء يسقط فيه رفيقك يستحق العقوبة، أو يستحق تعميم الحكم عليه أو نكران رفقتكما، وربما بعضها يستحق.
ويُقال أن معدن الإنسان الحقيقي يظهر وقت الشدة.
في درس كان عن القدر، وتعلمون أن أكثر مسألتين فيهما جدال طويل واختلاف وطوائف، متعلقان بالأسماء والصفات والقضاء والقدر، وبالرغم من أن الدرس كان أميل للجانب العلمي سبّورة وقلم، والعلم بطبيعته جاف، والجدال في بعض هذه المسائل متعب للقلب أحيانا مرهق للذهن، إلا أن هذه المرة بالذات خَرَجْتُ إنسانا آخر غير الذي دخل هذا الدرس، بل أذكره في كل شدّة لعوامل كثيرة ربما أتعرّض لها فيما بعد، فكان للدرس جانب إيماني فارق، وكان من الأسئلة في هذا الدرس، لماذا خلق الله الإنسان فيه جانب الخير وجانب الشر! أو لماذا خلق الخير والشر، وهو قادر على أن يخلقه لا يفعل إلا الخير، وانتهى الأمر.
ووقتها لن ندخل لمسألة الإرادة الكونية والإرادة الشرعية إلخ...
كان كلام الشيخ، أن هذا الأمر فيه مصلحة أكبر، أي بوجود الاثنين هناك مصلحة أكبر من وجود واحدها فقط، وبالطبع هذا يؤثّر في معرفة معدن الإنسان وحقيقته أيضا، فبوجود الاثنين تظهر حقيقة الإنسان وحقيقة اختياره، إذا بوجود الشر تحقق مصلحة أكبر، لا تتحقق بدونه.
أول سؤال تبادر في رأسي ولم أنطق به: كان يمكن أن يختبرنا الله بالخير دون ضدّه، ويختبر الإنسان في ذلك، ولكن كرهت أن أُدخل الحوار في تسلسل من الأسئلة لأن كل سؤال سيصحبه سؤال تال.
فما كان من الشيخ إلا أن قال: طبعا سؤال أن الله كان يمكن أن يختبر الإنسان وهو لا يفعل إلا الخير فقط، هو سؤال لا معنى له.
وبعد التأمّل في السؤال، كلامه صحيح فعلا، هذا السؤال لا يحمل في طيّاته أي معنى، كيف يُختبر الإنسان ويُعرف معدنه وهو لا يفعل إلا الخير فقط إذ لا تتبيّن الأشياء إلا بوجود الضد، وإلا فالكل سواء.
وهذا تراه في يومك، في معاملاتك، في أصدقائك، في أهلك، في الجميع.. الكل تتبيّن حقيقته والجانب الآخر له وقت الابتلاء والاختبار، يظهر الجانب الخيّر من الإنسان، أو جانب الشرّ، وكل واحد منّا مخيّر في ذلك!
إن لم يكن فينا جانبان، فكلنا سواء في الابتلاء.
ثم وأنا أقلّب في إحدى الكتب، قرأت أن سيدنا موسى ألقى الألواح وتجاوز له ربّه عز وجل عن ذلك، وترك عليه السلام قومه، وما أعجلك عن قومك يا موسى؟ قال هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى.
وبالرغم من أن مُراد سيدنا موسى عليه السلام كان خيرا، إلا أنه كان من الأفضل البقاء في قومه، وتجاوز له ربّه عز وجل عن ذلك.
في حين عندما ترك سيدنا يونس عليه السلام قومه، ابتلعه الحوت!
وكان من المذكور أن سيدنا موسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل، وكان أكثر بلاء، فتجاوز له ربّه عن أمور لابتلاءاته.
هكذا الأمر، ولعلك تلحظ أن سيدنا موسى عليه السلام من أكثر الأنبياء ذكرا في القرآن.
كانت هذه لفتة مبهرة، ربما لا أجرؤ حقيقة على التفكير بها أو أن تراودني وأنا أقرأ، لكن عندما قرأتها سعدت بها أيما سعادة، إذا الابتلاء أمر فارق حتى في النبوّة!
وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيميّة - رضي الله عنه - يقول: انظر إلى موسى ــ صلواتُ الله وسلامُه عليه ــ رمى الألواح التي فيها كلامُ الله الذي كتَبه بيده فكسَرها، وجرَّ بلحيةِ (١) نبيٍّ مثلِه ورأسِه، وهو هارون (٢)؛ ولطَم عينَ ملَكِ الموت ففقأها (٣)، وعاتَب ربَّه ليلةَ الإسراء في محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ورفعِه عليه (٤)؛ وربُّه تبارك وتعالى يحتمل له ذلك كلَّه، ويحبُّه ويكرمه (٥) ويدلِّلُه، لأنَّه قام لله المقاماتِ (٦) العظيمةَ في مقابلةِ أعدى عدوٍّ له، وصدَعَ بأمره، وعالج أمَّةَ القبط وأمَّةَ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة= فكانت هذه الأمورُ كالشَّعرة في البحر. وانظر إلى يونس بن متّى حيث لم يكن له هذه (٧) المقامات التي لموسى - صلى الله عليه وسلم -، غاضَبَ ربَّه (٨) مرّةً، فأخَذه وسجَنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى صلى الله عليه وسلم
ربما يعيش الإنسان حياته، ولا يُبتلى ابتلاء شديدا وينجو، وربما يعيش آخر ويبتلى، هذا يُشق نصفين لمنازعته عن دينه، وهذا يُجلد بالسوط للقول بخلق القرآن، وهذا يعيش ويموت ولا يُبتلى في دينه بلاء يزعزعه.
لكن الحقيقة أنت لا تعلم هل يأتيك بلاء يمحّصك، وما درجة البلاء التي تأتيك، أم تنجو، ربما لا يكون البلاء في دينك بشكل مباشر، ربما يكون في فقدك، ربما يكون في مرضك، في رزقك، أنواع البلاءات متعددة، لكن أنت لا تدري من أين يأتي بلاؤك، وما حقيقة معدنك التي لم يكتشفها الناس، بل لم تكتشفها أنت بعد! ربما تكتشف شخصا جديدا تماما -عند أول ابتلاء- غير الذي أنت عليه.
ذُكر في سير أعلام النبلاء للذهبي أن الشافعي كان يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة، وفي كل شهر ثلاثين ختمة.
وكان يحدث وطست تحته، فقال يوما: اللهم إن كان لك فيه رضى، فزد فبعث إليه إدريس بن يحيى المعافري -يعني زاهد مصر- : لست من رجال البلاء، فسل الله العافية.
أنظر في هذا النص مرّة بعد مرّة، يُقال للإمام الشافعي إمام العباقرة: لست من رجال البلاء!
هذا على فقهه وعبادته!
لكن ربما هذا النوع من البلاء لا يصبر عليه، فكان: لست من رجال البلاء، فسل الله العافية.
وعندما قابلت هذا النص، تذكّرت حالي عندما كنت أمر على أقسام المستشفى كل يوم لعام كامل، فكنت أمرّ على العناية والحضانات وغيرها من الأقسام، فلا يشقيني إلا قسم الكلى، فعندما أدخله تدمع عيني من منظر مرضاه في كل مرة ولا أعتاد أمرهم، كان في مروري على العناية أشخاص غائبون عن هذا العالم، لا أحد يمكث هناك طويلا، يرتاحون سريعا، أمّا مرضى قسم الكلى فهم في عذاب متكرر، تنظر في أيديهم تشعر بالأسى عليهم، لكنّهم راضون يحمدون الله، وبعضهم يستقبلك بابتسامة عندما تدخل إلى القسم وبعضهم يدعو لك ويتعرّف عليك ويسألك عن حالك، وهو الأولى بالسؤال.
وكنت أنظر لحالي وأنا جزع، وأنظر إليهم وهم راضون، وأقول يا ربّاه، أنا على هذا الحال ولست بمبتلى، فكيف بي إن كُنت من المبتلين يوما لهلكت، وكل مرة أدخل فيها هذا القسم أكتفي بدمعة وسؤال الله العافية وألا يفتنني.
يمكن أن يعيش الإنسان عُمره بسيطا، يصلي فروضه، يصوم، يزكي، حياة رتيبة متكررة ويموت عليها، ويمكن لنفس الإنسان أن يُبتلى بشبهة، فصابر متمسك بالحق، أو تخطفه الشبهة إلى سبل متفرقة فتضله، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، ولا تدري في أيهما تكون.
ولا تدري في أي شيء يكون بلاؤك، ولكن ليس أمامنا إلا أن نسأل مقلّب القلوب أن يثبّت قلوبنا على دينه، وأن يصرّف قلوبنا إلى طاعته،وأن يزكّي أنفسنا ونسأله العافية والنجاة من الفتن.
وقد قيل أن الصبر ينزل مع البلاء، وذكر الأستاذ سامي حربي: أن البلاء يكون حسب قوة صاحبه وضعفه، فكلما كان المرء أقوى كان بلاؤه أوفى، وكلما كان أضعف كان بلاؤه أخف.
وكانت أم موسى ضعيفة فرد إليها ولدها بعد أيام، وكان يعقوب أقوى في حاله فلم يعد إليه يوسف إلا بعد سنين طويلة.
فاللهم إنّا نسألك العافية، وإن ابتليتنا فارزقنا الصبر مع البلاء، واجعلنا من عبادك الأقوياء الصابرين.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.