مضّيع للوقت وأبذله في كل حقير، لكن هناك لحظات أشعر فيها بالوقت جدّا، حتى ولو كانت هذه الأشياء تحمل معنى أو لها قيمة، فربما أبذله في شيء تافه معتاد ولا أشعر بفواته أو بالندم عليه، وأشعر بقيمته جدا حين أبذله في شيء هو من ضروريات الحياة وأبجدياتها.
كان أول ما يشعرني بالندم هو الطبخ، كيف لإنسان أن يهدر ساعات من يومه لطهي طعام لن يستمتع بأكله سوى خمسة دقائق، أي وقت مهدور هذا، حاولت مع الطبخ عدّة مرات وكل مرة أشعر بالندم الشديد، ليس فقط لأنني فاشل في الإقدام على هذا الأمر، ولكن على الوقت الذي أشعر به يمرّ ببطء، أسمع فيه أزيز المرجل وهو ينذرني أن الوقت ينسحب من تحت قدمي، ربما هذا الوقت أستهلكه في (ريلز) أو أي أمر تافه، لكن هنا بالذات أشعر بكل دقيقة منه، وأحيانا بالثواني خاصة إذا كنت أفتح (التايمر) لأنني مصاب بالوسواس تجاه مثل هذه الأمور، فأجد الثواني تعدّ لأنتظر هل البيض يُسلق بعد 10 دقائق من الغليان أو اثنى عشر هذا أمر مهم بالطبع، لكن الأهم أنني تركت الطبخ وفضلت أن آكل من المطاعم أو أن آكل من البيت أكلا مخزّنا لمدّة أسبوع أهون علي من هذه الساعات التي أشعر فيها بالتوتر الشديد تجاه الوقت، بل ربما يؤدّي الأمر لأسئلة كبرى في معرفة معنى الحياة وكنهها وقيمة الوقت ولماذا خلقنا الله؟ ولماذا يطلب الله من البشر عبادته، فتكون أول قصة مثيرة لشبهات بدأت من المطبخ.
ربما كل شيء لا تجبرني الحياة على فعله لا أرى معنى من فعله، دائما أرى أن الحياة قصيرة وأنني سأموت فلما أفعل كذا أو كذا؟
ربما أيضا اكتسبت هذا من البيت دون أن أدري، دائما ما كنت أقول لوالدتي نريد أن نفعل كذا في أثاث البيت.. فتقول لي بعد ماذا يا حبيبي؟ لقد أشرفنا على الموت، العمر الطويل لكم.. قوموا بفعله.
كل شيء أحدّثها فيه كانت تقول لي أننا أشرفنا على الموت، لا قيمة من فعل شيء في البيت.. سيكون هكذا على حاله حتى نموت.
ربما مرّت عشرة سنوات على حديثنا هذا، ثم أكلمها من قريب: يا أمّاه نريد أن نجدد كذا.. فتقول لي سنموت!
بل ما كان أكثر إضحاكا في حواراتنا أنني كنت أقول لها سأشتري زي الصيف فتقول الشتاء أصبح على مقربة فاشتري للشتاء، ثم آتي للشتاء فتقول أشرف الصيف على الدخول فاشتري للصيف، وهكذا دواليك فلا أشتري زي الشتاء ولا الصيف.
حتى انتبهت لها، وهي لم تنتبه للأمر ولا تدري أنها تفكّر بهذه الطريقة كما لم أنتبه.
لكن أصبحت مثلها، كل ما لا أرى من وراءه دافعا قويا لأقوم به لا أرى منه قيمة، كنت دائما أطرح سؤالا، ما قيمة طوي الغطاء على حافة السرير بعد الاستيقاظ من النوم؟ ألست سآتي من الليل لأعيده على هيئته الأولى؟ أليس هذا تضييعا للحياة القصيرة؟ ولا أرى علة تقول ما قيمة هذا الأمر؟ إلا أن النساء ربما تشعر ببعض الفراغ فتقوم بذلك من باب الترتيب الزائد؟ بل سألت السؤال هذا عدّة مرات لأشخاص مختلفين فلم أجد منهم جوابا شافيا فظللت على حالي، هذا الغطاء سيبقى على ما هو عليه.
أذكر أنني سألت سؤالا بدهيا في سن الخامسة والعشرين، كان عندما دخلت الجيش ووجدت في يدي وثيقة تعارف تسألني عن جدي وجدتي وأعمارهما وأخوالي وأعمامي، وكأني أذكر عمري حتى أذكر أعمار هؤلاء، بل حتّى أسماءهم.
بل كان من الطريف أنني تساءلت هل عندي خالات؟ هذا سؤال تأخّر خمس وعشرون سنة!
في أول إجازة سألت أمي.. هل عندي خالات يا أمي؟
نعم يا حبيبي، عندك خالتين ولكنّهما ماتا.
كيف لم أسأل هذا السؤال من قبل؟ لماذا لم يشغل بالي الأمر؟ ربما لأنه لم يُطرح عليّ ولم يقابلني.
لكن ربنا هذا يدخلني في باب من العقوق فيصبح هذا السؤال ضرورة شرعية.
وأذكر عندما كان يقابلني أبناء عمومتي في طفولتي ليتندرن بي.. فيسألونني واحدة تلو الأخرى، من أنا؟ وأنا أراهم كلهم شخص واحد، فهذه تضحك وهذه تضحك لأني لا أذكر منهم أحدا، أو أبدّل اسم هذه مكان ذاك، حتى أنهن كلما وجدن فرصة عندما قابلنني بدأن نفس الأمر، وكنت أنا أول مؤمن يُلدغ وينسى ولا يعرف من هؤلاء!
كانت أول مرة أسأل والدتي عن اسم أبيها وأنا في مكالمة مع شركة فودافون لإثبات ملكية الخط، فلا أدري وقتها طلب اسم والد الأم أم جدها، فذهبت إلى أمّي لأول مرة لأقول لها: ما اسم أبيك؟
لكن كان هذا مبكرا ربما في المرحلة الإعدادية.
كلها أسئلة لم أطرحها على أهميتها لأن الحياة قصيرة! لكن متى نشعر أن الحياة قصيرة ونحس بقيمة الوقت، ومتى نضيّعه هباء!
من الأشياء أيضا التي أشعر فيها بالوقت بقدر رهيب وأنني سأدخل السعير بسببها، هي عندما أُمسك بقائمة الطعام، ثم تختار فيأبى هذا، ويختار هذا فيأبى الآخر، يضيق صدري بهؤلاء جميعا، ولكن لم أضع نفسي في هذا الموقف المرير الذي أشعر فيه بقيمة الوقت الذي أضيّعه الآن في كتابة منشوري هذا ولا أعرف ما وجهتي فيه ولا نيتي ولا ما مدى استفادة القارئ ولا ما عدد القرّاء، لكن أصبحت أقول قولا واحدا، ما تختارونه فأنا راض به وإن لم أكن أحبّه، هذه الجملة تثير غضب الكثيرين، فهم أستاذة في الجدل على قائمة الطعام، وعندما تختار أنت يناقشونك! وفي نفس الوقت لا يرضون أن تنزل على رأيهم وكأنهم أوتوا الجدل بلا هدف.
أظن أنني تكبّدت مبلغا كبيرا في شراء جهاز Mac mini لأنني لم أدرس احتياجاتي، وأظن أنني منذ سنتين أفتح مربع البحث ثم أكتب مايكرويف ثم لا ألبث إلا خمسة دقائق في أي موقع أمام الخيارات الكثيرة، وأستغفر الله على تضييع الوقت وأخرج، وأخاف أن أخطئ في اختياري كما اخترت هذا الجهّاز المكلّف.. وأنا إلى اليوم في حاجة إلى مايكرويف ولكن أيضا في حاجة إلى الوقت الذي سأقارن فيه أنواعه.
ثم أنتقل إلى الرياضة! وإلى صالات الجيم وغيرها، أكثر شيء يضيّع الإنسان فيه عمره، هل كان القدماء يستخدمون الجيم؟ بالطبع لا، لم تكن هناك صالات جيم!
لأنه لم يكن هناك أكل صناعي وبهذا القدر من التعقيد، لم يكن هناك راحة كراحة هذا العصر، حتى أصبح فيه الجهد أمرا تتكلفه في صالات الجيم!
هذا لفت انتباهي لماذا أشعر بالوقت في بعض الأمور! عندما يصبح الأمر عبارة عن مهمة بوقت معيّن أنت تتكلفه وليس على السجيّة، لو كان الجهد البدني جزءا من يومك، من عملك، من رحلتك، فهذا أمري منطقي لا تتأباه، أما أن يكون الجهد بلا معنى! هذا أمر صعب على النفس.
لذا كنت أرى أن الحياة قصيرة، وأن الذي يمارس الرياضة فرقه وبين من لا يمارسها، أن الأول يموت بصحّة جيّدة.. لكن كلاهما إلى الموت.. والحياة قصيرة.
لذلك كنت أبتعد عن هذه الأمور ليس كسلا ولكن لأمرين: أن الحياة قصيرة، وأنني أشعر بقيمة الوقت فيها وفي ساعاتها الرتيبة التي لا تمر.
ثم بدأ رأيي يتغيّر شيئا فشيئا، عندما انتقلت إلى سكن أقوم فيه على أمري، كنت أعاند أبجديات الحياة، ليس فقط طوي الغطاء بعد الاستيقاظ أمر عبثي، بل تنظيف الغرفة نفسه أمر عبثي، لأنها سرعان ما تمتلئ بالتراب بعد يومين أو ثلاثة! هذا يعني أنني سأنظفها كل مرة وترجع إلى أمرها الأول وهكذا، يا ضيعة الأعمار، ثم لا تنزل الدنيا على هواك، فربما في البيت كنت تجد من يقوم بذلك عنك، أما أنت الآن فليس غيرك.
ولكن لا مشكلة في العند مع الحياة، وليصمني من شاء بما يصمني، لكن لا يتوقف الأمر على الوصم من الآخرين، إذ ربما لا يراك الآخرون أصلا، لكن وجدت أنني أكون في حالة أفضل إذا قمت بتنظيف الغرفة وترتيبها! بل اقبالي على العمل والمذاكرة أكبر! وإذا تركتها على حالها لا أنشط على القيام بمهامي بقيّة اليوم.
لا توجد دراسة من جامعة هارفارد، ولم يخرج أحدهم برؤية تحليلية تجذبني لأقوم بهذا الفعل، ولا تناولها الرافعي بنظرة فلسفية أو المنفلوطي برؤية شاعرية، كل ما في الأمر أنه أمر لا تستطيع قياسه أو البرهنة عليه، أو حتى أن تُجيب جوابا شافيا عندما يسألك أحدهم: ما الفائدة من طي الغطاء بعد الاستيقاظ من النوم وأنت في الليل ستقوم بفرده مرة أخرى!
بل هذا بالفعل سؤال فلسفي عميق يجعلك تسأل عن القيمة في كل ما نقوم به في هذه الحياة، وسيؤدي بك كالعادة إلى الشكوك وربما إلى الإلحاد، وستكون أول ملحد ألحد بسبب قيمة طي الغطاء.
ثم عندما رجعت إلى بيتي يعرفون منّي أنني أبتعد بقدر استطاعتي عن الانترنت، فيعرفون من رغبة الإنسان الدفينة أنه ربما يحب تضييع وقته لكن لا يُظهر ذلك للآخرين، أو ربما لا يصرّح بها، لكن عندما تُطلب منه يقوم بفعلها على أساس أنه ينزل على رغبة الآخرين.
هل تحب أن تشاهد بعض الريلز على انستجرام من باب التسلية؟
هو سؤال لا يُسأل حقيقة، إنما هو تحصيل حاصل، هذه الريلز وأنت ستشاهد معي.
كان من الفيديوهات القصيرة التي قابلتنا ونحن نتصفّح مرئية لشخص بعنوان: أنا أسأل نفسي لماذا أنا مكتئب، ثم تحتها: أنا برضه.
وكانت أنا برضه هذه عبارة عن مرئية ينام فيها ويستيقظ ليفتح الهاتف ثم يقلّب فيه، ثم ينام ثم يقلّب فينام وهكذا دواليك.
هذه حياتنا جميعا!
ذهب عقلي في التفكير بعد هذا الفيديو، وقد أخبرتكم من قبل أن أكثر تعليق كان يشعرني بالاكتئاب: أنا ضيّعت دقيقتين من عمري في هذا الفيديو، أو في قراءة هذا المنشور.
بالرغم من أنه تعليق ساخر، إلا أنه كان يشعرني بالأسى لدرجة أنه كان سببا من أسباب بعدي عن مواقع التواصل فترة.
من هذا الفيديو أدركت أمرا، إن كان الجيم وبعض الرياضات وغيرها تضييع للوقت؟ فلماذا لا أشعر بتضييع الوقت في أمور أخرى؟ هذا سؤال تضييع الوقت.
أما بالنسبة للسؤال الثاني وهو أن الحياة قصيرة؟ فسأموت عاجلا أم آجلا، فقد شعرت بالتعب بسبب جلسة العمل، وقد وجدت أن السكر التراكمي عندي مرتفع وأنا في سن صغير، وأن الدهون عندي عالية رغم أن وزني مثالي، وأن فيتامين د عندي لا يتجاوز الـ7 والأصل أن يكون بين 30 إلى 70 فهو نقص حاد فأصبحت باتمان حقّا بعدما كنت أكتب لماذا أحب باتمان.
فالحقيقة أنه ليس أن الحياة قصيرة وأنني سأموت.. أنني وقتها سأموت سريعا عندما أرغب أو على ما أهوى، ولكن ربما أموت وأنا أحمل في جسدي أمراض كثيرة، بل كثيرة جدا، فلا أستطيع أن أقوم بشيء من الأشياء التي أقوم بها والتي أوفّر لها الوقت، فهذه العبادة التي ترى أنها أولى بالوقت من أن تضيّعه في رياضة، قد ضاعت عليك لأن صحتك قد ذهبت!
لقد ذَهَبْتُ إلى الجيم من قرابة شهرين، وكذلك ذهبت إلى السباحة في نفس التوقيت، هذا ثلاثة أيام وهذا ثلاثة، أشعر بالأسف عندما أرى يومي يضيع بين رياضتين، هناك أشياء كثيرة مما كنت أحبّها وأفعلها لا أجد وقتا لها، كيف أصبحت مشغولا لدرجة أنني أقصّر في عملي أحيانا، فضلا عن غيره من الأمور!
من يقول لك هذا ساعة وهذا ساعة كاذب.
الجيم تجلس فيه من ساعتين إلى ثلاث، هذا غير التحضيرات قبله والرجوع بعده والتعب منه، والسباحة ساعة غير مقدماتها وما يليها، حقّا تجد أيامك تضييع.
نعم لم تصبح مكتئبا -أو ربما تصبح-، ولم تصبح هذه حياتك التي شاهدتها في الفيديو، لكن مقابل هذا لم يعد لديك وقت، وكأن الحياة لا تعطيك معادلة متكاملة الأركان.
بل المدهش أن تذهب إلى الجيم وإلى السباحة ثم أنت تعود مكتئبا..
لكن على كل حال، كل يوم أتعلّم في هذه الحياة، وأقف أمام أمور لأسأل عن قيمة الوقت، وعن معنى الحياة وقصرها، وأخرى أمررها ولا أدري فيها بالوقت ولا بالحياة.
لكن ما أدركه جيّدا أن أمي أخبرتني أن لي خالتين إحداهما فوقية والأخرى نسيتها ولم أسألها عنها مرة أخرى.. ولكن على كل حال رحمها الله.
أما بالنسبة للسؤال الثاني وهو أن الحياة قصيرة؟ فسأموت عاجلا أم آجلا، فقد شعرت بالتعب بسبب جلسة العمل، وقد وجدت أن السكر التراكمي عندي مرتفع وأنا في سن صغير، وأن الدهون عندي عالية رغم أن وزني مثالي، وأن فيتامين د عندي لا يتجاوز الـ7 والأصل أن يكون بين 30 إلى 70 فهو نقص حاد فأصبحت باتمان حقّا بعدما كنت أكتب لماذا أحب باتمان.
فالحقيقة أنه ليس أن الحياة قصيرة وأنني سأموت.. أنني وقتها سأموت سريعا عندما أرغب أو على ما أهوى، ولكن ربما أموت وأنا أحمل في جسدي أمراض كثيرة، بل كثيرة جدا، فلا أستطيع أن أقوم بشيء من الأشياء التي أقوم بها والتي أوفّر لها الوقت، فهذه العبادة التي ترى أنها أولى بالوقت من أن تضيّعه في رياضة، قد ضاعت عليك لأن صحتك قد ذهبت!
لقد ذَهَبْتُ إلى الجيم من قرابة شهرين، وكذلك ذهبت إلى السباحة في نفس التوقيت، هذا ثلاثة أيام وهذا ثلاثة، أشعر بالأسف عندما أرى يومي يضيع بين رياضتين، هناك أشياء كثيرة مما كنت أحبّها وأفعلها لا أجد وقتا لها، كيف أصبحت مشغولا لدرجة أنني أقصّر في عملي أحيانا، فضلا عن غيره من الأمور!
من يقول لك هذا ساعة وهذا ساعة كاذب.
الجيم تجلس فيه من ساعتين إلى ثلاث، هذا غير التحضيرات قبله والرجوع بعده والتعب منه، والسباحة ساعة غير مقدماتها وما يليها، حقّا تجد أيامك تضييع.
نعم لم تصبح مكتئبا -أو ربما تصبح-، ولم تصبح هذه حياتك التي شاهدتها في الفيديو، لكن مقابل هذا لم يعد لديك وقت، وكأن الحياة لا تعطيك معادلة متكاملة الأركان.
بل المدهش أن تذهب إلى الجيم وإلى السباحة ثم أنت تعود مكتئبا..
لكن على كل حال، كل يوم أتعلّم في هذه الحياة، وأقف أمام أمور لأسأل عن قيمة الوقت، وعن معنى الحياة وقصرها، وأخرى أمررها ولا أدري فيها بالوقت ولا بالحياة.
لكن ما أدركه جيّدا أن أمي أخبرتني أن لي خالتين إحداهما فوقية والأخرى نسيتها ولم أسألها عنها مرة أخرى.. ولكن على كل حال رحمها الله.