كنت أجلس في المسجد بين المغرب والعشاء وكان معي صديقا، ثم دخل المسجد صديق آخر فسلم عليّ وظللنا نتحدث من المغرب إلى العشاء ولم أشعر بمرور الوقت، وتحدثنا في أمور شتى، وكان منها اشتراكه في دورة التأهيل الزواجي للأستاذ أحمد سالم ونصحه لي بها، فمازحته وقلت له أمثالك من الأسوياء هم من يهتمون بمثل هذه الدورات، أما من يقتلون زوجاتهم لا يذهبون إلى هذه الدورات أبدا.
ثم عندما قرر هذا الصديق الانصراف، فقلت له: "أنا سعيد أوي إني شوفتك".
فنظر لي صديقي الأول نظرة تعجب، تصحبها ابتسامة، فقلت له: على ماذا تضحك؟
فقال أنا في عجب مما قلت.. منذ متى وأنت تقول مثل هذه المقولات؟
وهذا بالطبع من حقه، فهذا الصديق أعرفه منذ زمن ولم أقل له يوما أنني أحبّك، أو أنني أسعد برؤياك، أو أنك شخص عزيز على قلبي، أو إنني أراك أفضل مني، وغيرها من المشاعر التي أحفظها له في داخلي ولا أعبّر له عنها.. وقد عبرت أمامه -في هذا الموقف- لغيره بها.
وأرى نفسي دائما رد فعل لغيري في التعبير عن المشاعر، فهناك من يسهّل عليّ الكثير في التعبير عن شعوري هذا كصديقي الذي جلس معي عَرَضا وذهب، ومن يصعبها عليّ كصديقي الأول.
وأحاول أن أغيّر من ذلك في نفسي، وأشعر فيه بالمشقة، لكنني أحاول، أحاول أن أقول لمن أحبّه أنني أحبّه لأنه لن يستنبط ذلك، أحاول أن أقول لمن أراه أفضل مني أنه أفضل مني، لأن الكلام له عامل مع الأفعال، بل ربما يكون هو العامل الأكبر.
إن صديقي الأول هذا أخبرني أمرا وقال لي: أنا لم أخبر به إلا أنت وفلان.
فقلت له وقتها: أأنا مقرّب إليك إلى هذه الدرجة؟ قالت مليش ذنب إنك مبتفهمش ولم يصل لك ذلك😅
لكن بالفعل إن لم نكن نعبّر عن مشاعرنا بوضوح فكيف نصل إلى ذلك؟ كيف نصل وكل طرف يخبّأ مشاعره وكأنها شيء محرّم بالرغم من أن ديننا قد حضّنا على إظهارها حضّا.
كان عند النبي ﷺ فمر رجل به فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي ﷺ: أأعلمتَه؟ قال: لا، قال: أعلِمْه، فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الله الذي أحببتني له.
وقد قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقالوا: نعم، فقالوا: لكنا والله ما نقبل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة.
إننا كلنا نستشهد بـ ويلك قطعت عنق أخيك عند المدح، فنكف عن المدح لقطع أعناق إخواننا، نتوقف عن وصفهم بما فيهم، نتوقف عن إظهار حبنا لهم، أن نمدح معارفهم إن كنّا نرى فيهم ذلك.
لكننا لا نقف لحظة تأمل واحدة عند قطع أعناقهم على الحقيقة في مواطن الذم والنقد، فالدين نهانا عن قطع العنق مجازا بالمدح، لكنّه لم ينهانا عن القطع الحقيقي لها بالذم واللوم والنقد.
فما يكون من صاحبك إلا أن يراك في مواطن النقد والذم، ولا يراك في مواطن الحُسن والحب، وتبرر بذلك أنني لن أعلّق عليك إلا إن كان هناك خطأ، وليس من الطبيعي أن أظهر لك شعوري في كل فعل حسن، ومطلوب من النفس البشرية تحمّل ذاك، والعيش على هذا الأمر..
في الفترة الأخيرة فقط، جرّبت أن أرسل لبعض الأصدقاء لتهنئتهم بعيدي الفطر والأضحى، فكنت أجد ردود أفعال جميلة، وسعادة لا توصف، وكأنهم كانوا في انتظارها، ولم أكن أتوقع ذلك أبدا، هذا فقط للتهنئة بالعيد وهي أمر روتيني، فما بال التعبير عن المشاعر في المواطن المختلفة.
وفي الفترة الأخيرة بدأت المحاولة في إظهار مشاعري التي كنت أخفيها لمن أحبهم، بأن أبيّن لهم حبّي لهم، لكن حتى أقرب الناس يشعرون بالحرج من التعبير عن المشاعر..
وقد وجدت نفسي إثر ذلك مصابا بالعِي، فليس في قاموسي إلا: أحبك ولا شيء غيرها... فإن معجمي اللفظي لا يعبّر عن 1% مما في قلبي، ولكن هي خطوة في طريق طويل.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.