سمعت نعيا اليوم ختمه الناعي بالجملة الشهيرة التي لطالمها تساءلت في نفسي عن معناها وهي "ولا عزاء للسيدات"، ما معنى هذه الجملة؟
وظللت أفكّر، وتدور الجملة في عقلي ويتقلّب تفكيري بها، تُرى هل يقصدون أن هذه السيدة التي ماتت لا عزاء لها؟ ولِمَا هذا التفريق بين الرجل والمرأة، والمرأة نصف المجتمع ونقدرها ونحترمها بالطبع، وكلكم يعلم ذلك.
لماذا نقيم عزاء للرجل حين يموت، ولكن عندما تموت المرأة نقول لا عزاء للسيدات، فهل هي في مرتبة دنيا عن الرجل؟ هل لأنها مرأة لا نقيم لها عزاء ولا ندفنها في مقابر المسلمين ونلقيها في أقرب ترعة تواجهنا بعد موتها؟
لماذا يتعامل الرجال مع المرأة بهذه الطريقة، لماذا؟
وكانت الصدمة عندما قام الناعي بنعي رجل من الرجال في مرة، ثم كرر في نهاية نعية الجملة الشهيرة كالمعتاد "ولا عزاء للسيدات"، إذا ما مقصدك يا سيدي؟ هل تقصد أن هذا الرجل الذي مات كان نقّالا للكلام فاتصف بصفة في السيدات فهو كالسيدات فلا عزاء له أخذا بالقياس؟ أم لا عزاء له عقوبة على فعلته التي فيها قدر من النسونة مع احتفاظ بأصله كرجل، أم أنك قد قلت جملتك هذه سهوا وإلفا لهذه المقالة، كالذي يقول في أذان الظهر "الصلاة خير من النوم" وقد كان موضعها في الفجر، وربما لم يلتفت لفعلته هذه فكررها.
لكن لقد تكرر الأمر مع غير واحد! إذا الأمر لا يتعلق بكون المتوفي رجلا كان أم امرأة، إن الأمر يتعلق بشيء آخر، فظللت أفكّر حتى فطنت إلى فكرة أخرى، إن كان الأمر لا يتعلق بالمتوفي فهو يتعلق بالحضور، إذ لا طرف ثالث في هذه المعادلة، وتوصلت إلى الآتي إن الناعي حين ينعي الميّت يزيّل نعية بلا عزاء للسيدات لعدة أسباب
منها: أن المتوفي قد كره زن النساء في حياته، وإتعابهم إيّاه، فأحب أن يكون بعد موته في راحة، فطلب أن لا يكون في عزاءه سيدات، حتى لا يصدعنه بعد موته كما صدعنه في حياته، وهذا في حالة أن المتوفي رجلا، أما إن كانت متوفية فيحتمل أنها قد رأت من جنسها ما لا يروق لها، وهذا أشد في طعن المرأة، لأن الطعنة جاءت من بنت جنسها، ففضلت جنس آخر على جنسها أن يحمل جنازتها إذ لم تلاقي من أبناء جنسها معاملة تجعلها ترضى بهم رفيقا إلى موتها.
وربما مُنعت المرأة من العزاء لأنها تلطم وتشق الجيوب، وتُحدث ضجيجا، أما الرجال فلا يلطمون ولا يتحدثون ضجيجا، بل يكتفون بالقهوة السادة ولا تنزل من أعينهم دمعة، بل ربما علّق أحدهم على كون القهوة صايصة، أو إن كان يستهوي الشيخ الحاضر ومن السميعة سيظل يقول له كرر يا شيخنا، الله يبارك لك، والشيخ يأتي بالصبا والعجم وكل المقامات وليذهب مقام الميّت إلى الجحيم، بل سيأتي عامل الفراشة ليسمك بالحديدة خلف الشيخ ليُملي علينا أسماء القائمين على الفراشة وأرقام تليفوناتهم في حالة لو بإذن الله كانت عندك حالة وفاة قريبة بأن تتصل بهم، هكذا بكل بجاحة وأولاد الميت حاضرين، هذا تعامل الرجال مع العزاءات.
استهتار من الشيخ والقائم على الفراشة والأبناء والحضور وتستطيع أن تقول أنه استهتار من الميّت نفسه أيضا إن شئت.
مع حبي لكم في هذا المنشور الساخر، الذي حاولت في نهايته الطعن في الرجل، حتى لا تظن إحداهن أنني عنصري، كدا خالصين -بصوت القرموطي-.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.