الوَجْد هو الهم الناقع

استكشف وَجْد

روابط وَجْد

وَجْدالوَجْد هو الهم الناقع
ابحث في كتابات وَجْد اكتب ثلاث حروف على الأقل للبحث في العناوين والنصوص والتصنيفات.

كل المكتئبات جميلات

 على ناصية الشارع الذي أسكن فيه عيادة كبيرة للطب النفسي، لطالما كنت أصبو بالصعود إليه، لا ليس لأتلقى علاجا كما يتبادر إلى ذهنك، فأنا بلا شك في أفضل حالاتي النفسية، غير أنني لو كنت متزوجا وقرر أبنائي الحجر على ممتلكاتي فأعتقد أنهم سيكسبون القضية من أول جلسة، لكن الحمد لله أنني ليست لدي ممتلكات ولا أولاد.


ربما تقول إن لم تكن تفكّر في تلقّي العلاج النفسي، ففي أي أمر تفكّر في الصعود إلى عيادة نفسية؟
الأمر يا عزيزي في غاية البساطة، أتخيّل نفسي في كل مرة صعدت إلى العيادة بحثا عن زوجة، هل أصعد العيادة في النهار وأساوم الدكتور على ذلك؟ أم أنتظر إحداهن أمام العيادة وأتفرّس فيها المواصفات التي أريدها ثم أقول هي هي، أم أصعد إلى العيادة في الليل أقلّب في دفاترها حتى أجد بُغيتي؟

متى اكتسبت قوة القلب هذه؟ متى صعدت إلى العيادة؟ لا أمن، لا كاميرات، بالطبع هذا النوع من العيادات ليس مطمعا، أقلّب في الدفاتر، وفي التأريخ المرضي لكل واحدة، باحثا عن الصفات التي أريدها بالترتيب. 



كان أول صفة بحثت عنها هي الاكتئاب، نعم هذه أول حسنة أردتها فيها، فلا رغبة لديها في الحياة ولا طموح ولا تحقيق ذات ولا خروج ولا حركة، نعمة الزوجة هي قد فقدت كل رغباتها في متع الحياة، فيتساوى في عينها التراب والماس، لا شيء يسعدها، ولا مفاجئة في هذه الحياة تخرجها مما هي فيه، وإن وضعتها في أي مكان في الشقة فهي فيه لا تتحرك، كقطة من القطط الشيرازي المليئة بالشعر هذه قد فقدت الرغبة في الحياة، أما بقيّة النساء فالقطط البلدي مصابات بالـ ADHD وتريد صيد فأرها بنفسها، وتكره جلب الطعام إليها.

وبعد أن جَمعتُ كل من يحملون الصفة الأولى كصفة مشتركة، بدأت أبحث فيهم عن الصفة الثانية: انخفاض تقدير الذات.
هذه التي عندما أذهب إلى بيتها وقد فقدت الرغبة في الحياة، وكل الأشياء في عينها سواء، مقتولة الطموح، تضيف إلى ذلك أنها لا ترى نفسها أبدا، بل تظن أنها أقل خلق الله جميعا، ولو علمت أن هناك آخر الناس خروجا من النار لظنّت أنها هي، وربما يذهب عقلها لأبعد من ذلك بأنها ليست بناجية، ولو سمعت عن أقبح النساء شكلا لما ظنت ذلك بغيرها وهي أجمل خلق الله، لكن نظرتها الدونية لنفسها قد أودت بها، وعندما تسمع بمَثَل أن المخدة الواحدة لا تجمع اثنين جميلين كما يقولون، لظنّت أنها هي القبيحة في هذه المعادلة، والعكس هو الصحيح إذ قد طار الناس بجمالها، وعجبوا لقبح رفيقها. 

ثم أنها مصابة بالوسواس القهري فتطلب رضاي ولا تناله، وهي باذلة فيه عمرها واكتئابها، ثم تسأل: هل قمت بحقك حقا؟ أم أنني مقصّرة؟ وكلا الجوابين في عينها سواء عليها أمدحتها أم ذممتها، لأنها تعود إلى نفسها بذات السؤال موسوسة، وفي كل تزيد في طاعتها وحسنها، وأزيد في مدحها وذمّها، وهي من جمال إلى جمال، ومن تأنيب ذات ووسوسة إلى مزيد. 

ثم هي مصابة بالقلق تظن أن حياتها لن تكتمل، فهي في سهر دائم وتفكير، ومحاولة للإرضاء والتسليم، وكأنها جمعت إلى كل ذلك تعلّقا فهي تشكو أفكارها إليّ، وخوفها من مستقبلنا إليّ، وأنا أزيدها غيّا إلى غيّها، وحيرة إلى حيرتها، وهي في ألم مستمر وأنا في راحة مستمرة.. قد حزت امرأة مطيعة جميلة تسارع في هواي، وهي لا تدرك من نفسها ذاك، بل تدرك من نفسها العصيان والقبح والتقصير. 

لكن وهذا ما لم يكن في الحسبان، ولم أُعدّ له بعد الزواج عدته، تذهب كل أدوائها هذه بتناول حبة بروزاك، فتدرك أن القبيح هو الذي بجوارها على المخدة وليست هي، وأنه هو الذي لا يستحقها وليست هي، وأنها أجمل الخلق وأطوعهم وأحسنهم خلقا، ثم هي تفكّر في الطلاق، وفي قلب حياة هذا المستغل رأسا على عقب، لكن متى أخذتُ خطوة استباقية وقمت بتبديل حبة البروزاك بحبّة غلة؟ لا أدري.
كل ما أدريه أنها ملقاة على الأرض أمامي أبكيها، أبكي هذا الجمال الذي صعدت روحه إلى السماء، أبكي التي سارعت في حبّي وإرضائي، وقد صعدت روحها عندما فكّرتْ في مد يدها إلى أول حبّة دواء. 

يأتي الطبيب ليكتب التقرير، إنها حالة انتحار واضحة، لقد كتبتْ في يومياتها غير مرة بخط يدها، أنها غير راضية عن حياتها الزوجية، وأنها تشعر حيال زوجها الجميل بالتقصير، كما أنها كانت تذهب للعيادة النفسية وقد تم تشخيصها بالاكتئاب والقلق وانخفاض تقدير الذات والوسواس القهري، وهذا كله كاف لإقبالها على الانتحار.
بكيتها كثيرا، ووضعتها في قبرها بيدي، كان كل الناس على المقبرة يبكون لبكائي، لم نرى شخصا مخلصا لزوجته كهذا الرجل، بل وصبورا على أمراضها النفسية، ولم يذكرها بسوء مرة، فمن يتحمل امرأة تجمع كل هذه الأمراض؟

في العيادة النفسية ليلا أبحث عن أخرى بنفس المواصفات، لكن هذه المرة سأنتبه جيدا لأمر الدواء، وربما لو رأيت منها شيئا، حفزتها على الانتحار تحفيزا إذ لا رغبة لها في الحياة، والقوس مفتوح، وكل المكتئبات جميلات.
أعجبك المقال؟ اترك قلبًا صغيرًا
تريد العودة إليه؟ احفظه للقراءة لاحقًا

تعليقات قرّاء وَجْد ٠

كيف تريد أن يظهر تعليقك؟
٠ / ١٠٠٠
جارٍ تحميل التعليقات…