شاب ربما في الثلاثينيات من عمره، أسمر البشرة، متزوج ولديه طفلتان، ربما لو رأيته وسألتك عن وظيفته لقلت كل الوظائف التي تعرفها في العالم إلا وظيفته التي يمارسها حقّا: سياقة التوك توك، هذه الوظيفة التي أصبح يرتادها أناس ليسوا بأهلها وليسوا لها شبها مقارنة بسمعتها المعروفة، والمطاردات التي تلحقهم من قبل الحكومة، وكأن التوك توك جريمة يرتكبها مشاغبون من خارج أرض الوطن لإفساد أرضه، وكأن استبدالها بعربة على غير هيئة التوك توك هو منجاة للدولة من مأزق التوك توك، فكأنه سبّه في ذاته، وحين تستبدله بغيره يصبح الأمر على ما يرام، فإن هذه العربات البديلة ستطير وسيتغير سلوكها.
من عجيب الأقدار أن هذا الشاب اسمه رضا، هذا اسمه على الحقيقة، فهي قصة مكتملة الأركان ليس فيها أي خداع أو اسقاط أو مجاز، وكل شباب مصر فيهم من رضا، يخرج كل يوم سعيا على زوجته وعياله، الحياة صعبة، بل وتزداد صعوبة، ربما يقابلك مثل رضا الكثير، ربما لو أخذ منك خمسة جنيهات فوق أجرته التي قررتها لظننت أنه طماعا، وأنه قد استثمر في سبائك من الذهب بعضها فوق بعض، هذا الأمر الذي تظنّه تماما عندما تغشّك بائعة الفاكهة والخضار في الميزان، أو يأخذ منك الموظف الحكومي رشوة، لكن المشترك بينهم جميعا أنهم لا يجدون ما يسد رمقهم، وتعصف الحياة بهم، ولا أقول هذا مبررا لمثل تلك الأفعال، ولكن أبيّن لك ما يظهر على الجانب الآخر بجشع التجار، وكأن الشعب يأكل نفسه بنفسه، وكأن الناس فعلا جبلوا على الطمع وقلة الأخلاق، وما كان هذا حقيقة يوما، إنه خطاب فرّق تسد، وبث كراهية بين طوائف كلها مطحونة وكلهم رضا.
تمر الأيام ويتهالك توك توك رضا، أو كان متهالكا منذ البداية، ولكنّه يحاول أن تمر الأيام به، فالدخل اليومي، يكفي اليوم بالكاد، حتى مع عمل امرأته في بعض الأعمال البيتية في قريتهم الصغيرة، ولكن رغم رضا رضا بالهم إلا أنه لم يرضَ به، وأصبحت مصاريف التوك توك أكبر من دخله، فماذا يفعل؟
الحاجة أم الاختراع، ويبدو أن صاحب هذه الفكرة ومن سنّها كان في حاجة شديدة، لذلك تفتق ذهنه لهذا الأمر، في القرى عادة إذا كان هناك فرح أو مرض فملازم لهما (النقوط)، هذه مساندة آنية لأنك في أمر طارئ، تردها فيما بعد، وأحيانا يكون الرد بالزيادة ويأتي الآخر في مناسبة بعدية يردها لك بالزيادة ويتم توارث الأمر إلى أن يُعلم أن فلانا هذا قد زوّج كل أبناءه، ماذا تفعل وقتها؟ تدفع له نفس الرقم الذي دفعه لك في المرة الأخيرة، إعطاءك نفس النقوط دون زيادة معناه أنك تريد أن تقطع الأمر، هذا معناه النهاية، يتم شطبك من دفتره وتشطبه من دفترك في رحلة طويلة ربما كُتب اسمه فيها خمسة أو ستة مرات زيارة ونقصا.
ولكن ماذا لم يكن عندك فرح أو مرض؟ هنا تأتي الفكرة التي تفتق ذهن صاحبنا عنها، ستقوم بعمل فراشة كالأفراح تماما، وتعلن أن هناك "مناسبة سعيدة"، ما هي المناسبة؟ لا ندري، ما الذي حدث؟ لا أحد يدري، هي في الحقيقة لم نقوط، لأنه ليست هناك مناسبة من الأساس، وليس هناك سعادة لأنني في ضيق، ولكن إن كنت أنا رضا، فهذه مناسبة وسعيدة أيضا.
الذي حدث أن رضا باع التوك توك لتاجر، كان ثمنه ثلاثون ألفا، وقد أعطاه التاجر آخر بثمانون ألفا، ومن الطريف أنه نفس الموديل الذي باعته بنفس تاريخ الإصدار، أي أنه اشترى نفس الشيء مرة أخرى ولكن بصحة جيدة بعض الشيء، وهذا ما يعني أنها شهور ويفتح هذا التوك توك أيضا فمه للمصاريف، الآن رضا مديون في خمسون ألف جنيه، أقام المناسبة السعيدة، التي سخر منه فيها أقاربه وأنه لن يجمع ألف أو ألفي جنيه، لكن كانت المفاجأة أنه جمع 20 ألف جنيه، هذا معناه أنه تبقى عليه من التوك توك ثلاثون ألف جنيه!
هل تعلم ما معنى ثلاثون ألف جنيه؟ معناه أنه سيعمل لا ليسد رمق أطفاله بل سيعمل لسداد دين الدائنين، ثلاثون ألف جنيه لصحاب التوك توك، وعشرون ألف جنيه لأصحاب المناسبة السعيدة يردها في كل مناسبة في كل شهر مفاجأة لا يعلم متى يتزوج هذا ومتى يمرض هذا، ففي كل شهر يدعو رضا للجميع بالعنوسة والسلامة حتى لا يكون هناك مناسبات أبدا، فربما قسط صاحب التوك توك واضح صريح، أما المناسبات تأتيك من حيث لا تدري، وسيأكل الناس وجهك إن لم تذهب لهم.
سيظل رضا يعمل على التوك لأجل الدائنين، حتى يهلك (توكتوكه) قبل رد دينهم ليدخل في دائرة جديدة من رد الدين، فمن للزوجة والعيال؟ ومن يرفع عنك ضيق الدين، وهم التفكير، والاختناق الذي يأتيك قبل أن تنام، وعمرك الذي يكبر في العام أعواما، ويراك الناس ويظنون أنك في الستين وأنت في الثلاثين، وآخرون ستينياتهم ثلاثين.
من لرضا في قرية صغيرة تعدد سكانها ومسجدها ليس فيه إلا ثلاثة، والزكاة فيها ليست ركنا من الدين!
ولكن في كل حياة منا رضا ويتظاهر بمناسبة سعيدة.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.