كانت تحاول جاهدة أن تسبح، لكنها لا تدرك ما معنى السباحة، تمسَّكت بي بشِدَّة، حتى كادت أن تودي بي، أنت تدري جيدا أنه عند الغرق يُصاب الغريق بحالة من الهلع تجعله يُغرق المُنقذ، كنت أنظر في عينها وهي في حالة الهلع هذه، أحاول أن أهدِّئها لكي أخرجها من المكان، كانت تتشبث بكتفي ويدي، أصابتني بكثير من الكدمات، ثم فجأة فقدتها، أنا أستطيع السباحة ولكن! ... لكن أنا لا أستطيع الغوص، كيف أجدها وكيف أبحث عنها تحت الماء، كانت نظراتنا الأخيرة عين مليئة بالهلع، وعين مليئة بالبكاء، فأنا لا أجيد إلا أبجديات السباحة.
بدأ الأمر بقصة حب، كنت أحبها وتحبني، كنت حديث عهد بالحب، وكنت أظن أنني لن أجد من تحبني في هذه الحياة أبدا، ليس لعلة تظنها، أو دمامة تراها في وجهي، لكنه حظ الإنسان من الدنيا، وحظي من الدنيا قليل، لكن أحيانا تكافئك الحياة بلا مقابل، فتجد فجأة في جانبك فتاة لم يكن في تصورك يوما أن تلقي عليك السلام، هي تتجاوز معاييرك، هي أجمل من خيالك وأعلى منه، كنت أنظر في المرآة وأقول أتمنى أن تراني إحداهن كما أرى نفسي في هذه المرآة، وأن لا تكون هذه المرآة تزيدني جمالا عن الواقع، كما هو واقع المرايا، لكن عندما قابلتها ونظرت في عينيها الواسعتين، كنت أرى انعكاسي، كان أجمل من المرآة بلا شك، هذه أول مرة أجد نفسي أجمل مما أراها أضعاف أضعاف، هل لأن عينها الجميلة زادتني بهاء، أم حب الحبيب ورؤيته لي قد زادتني جمالا، فهي تراني كما أظهر في عينيها، تراني أجمل مما أرى أنا نفسي، إنه الحب!
كنت أشعر أنها أحلام يقظة، لكن وإن كان هذا حلم، فهو أجمل حلم مررت به في حياتي، كلامها ليس كالكلام، وعيناها ليس كالعينين، بل عين غزالة شردت عن بيئتها وأودعت هذا الجمال، هذا وجه من وجوه الحور، عُجِّل به في الدنيا، لو رأيتها لذهب عقلك ولوقعت في حبها، لكنها أحبتني أنا، كيف؟ لا أدري. وفوق كل هذا فهي تجمع بين جنبيها طيبة لو وزعت على أهل الأرض لكفتهم، عشنا مراحل من المشاعر المتأججة، أحبها وتحبني، وأخشى أن تنطفئ هذه الجذوة، لكن كان مكتوبا لها أن تظل متأججة، وأن تحتفظ بحرارتها يوما بعد يوم.
تزوجنا، وعشنا أياما سعيدة، وما كان حلما بالأمس، أصبح واقعا اليوم، لكن كيف تنطفئ جذوة العلاقات، بل كيف تبرد العلاقات، هذا تماما ما لا تشعر به، متى بدأت الخناقات، ومتى ازدادت وتشعبت، المُعضِل أن المشاكل تتكاثر وتتوالد وتزداد كالخلايا السرطانية.
ربما تقول يغفر لها جمالها، وتغفر لها طيبتها، ويغفر لها حبي، لكن لا يفهم كلامي هذا إلا المتزوجون، هذا كلام العزاب، الذين لا يفكرون إلا بالعاطفة.
تظن أنك أغلقت باب مشكلة، فتنفتح عليك أخرى، هناك مرحلة تصلون إليها من المشاكل فتجدوا أن الباب قد سُد، إن كل مشكلة ظننتم أنكم أغلقتم بابها لم تكن كذلك بالفعل، بل هي كالمحاضر في سجلات الحكومة، جرائم أُغلقت لعدم كفاية الأدلة، لكن يُمكن أن تُفتح مرة أخرى في أي لحظة، فهي تراكم لمشكلات يظهر أنها مغلقة، لكن مع كل مشكلة جديدة، تجر وراءَها كل المحاضر المغلقة، فهي الجريمة التي تفتح التحقيق في كل الجرائم السابقة، لأن القاتل هنا قاتل متسلسل، وطريقة تنفيذ الجريمة واحدة، مما يجعلنا نحقق في كل ما مضى، عند هذه النقطة تستحيل الحياة جحيما، ويدرك كل طرف أن الحياة قاتمة، حتى لو كان تحت ركن هذا البيت حبيبان، وقد كذب تميم عندما قال: يقسو الحبيبان قدر الحب بينهما، حتى لتحسب بين العشقين دما، ويرجعان إلى خمر معتقة من المحبة تنفي الشك والتهما.
فإن قسا الحبيبان لا يرجعان إلى سابق مودتهما، بل تتحول جذوة حبهما إلى نار تحرقهما.
قلت لها ما رأيك أن نجدد علاقتنا؟ ما رأيك أن نذهب في رحلة نيلية، نتحدث ونتسامر، كما كنا نتسامر في سابق عهدنا، أنظر في عينيك كأنها النظرة الأولى، وأرى فيها انعكاسي، رحَّبتْ بالأمر، كانت سعيدة وفرحة، ذَهبتْ إلى دولابها فاختارتْ أجمل فساتينها، لا أذكر آخر مرة ارتدت فيها هذا الفستان، ولا آخر مرة خرجنا.
وصلنا إلى النيل، قلت لها لن نركب مركبة مع واحد من هؤلاء المراكبية، لا أريد عزولا بيننا، أريد أن نتحدث على راحتنا، سألتُ المراكبي إن كان هذا متاحا، فقال لي يمكنكم استئجار بدَّال مائي، هذا أفضل خيار لمن لا يستطيعون السباحة، وأرادوا الخروج بمفردهم في رحلة رومانسية.
ركبنا البدَّال المائي، وبدأنا بالتبديل، حتى غبنا في النيل، غبنا تماما عن أعين الجميع، في لحظات يتخللها الصمت الشديد، وكأننا شخصان لا يعرف بعضنا بعضا، وكأنها تنتظر مني كلام الحب القديم، لكن أنا غارق في صمتني، ثم توقفْتُ عن التبديل، وتَنْظُرُ إلي وكأنها تعلم ما في نفسي، عيناها... هي تماما هذه العين.. الآن ترجع إلى سابق عهدها جميلة.. يا لجمالها!
لكني قد أزمعت أمري، وما أقدمت عليه لن أرجع عنه.
أقف بجانب البدَّال وأقْلِبُه رأسا على عقب بها، تسألني ماذا تفعل ولمَ، فأقول أن قد بلغ بي الأمر منتهاه، وأنني لم أعد أقوى على الجدال، وفتح باب للمشكلات، لقد سئمت حياتنا هذه، تقسم لي بكل الأيمان أنني «لن أعود»، ولن أخبر أحدا بما حدث هنا، وتتشبث بكل ما أوتيت من قوة بالبدال، فأقول لها: الكل يقول ذلك، الكل يقول لن أعود، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، إنها النفس البشرية يا عزيزتي لن تتغير أبدا، تبكي.. هل سأضعف.. يا لبراءتها!
لكن الشمس أوشكت أن تغرب ولن أضعف، لن تُعيدني هذه العين عن ما أزمعته.
أقسم لك لن أعود! والله سأكون واحدة جديدة تماما، سنعود لسابق عهدنا، لن أشكوك أبدا، ولن أفتعل أي مشكلة، أرجوك لا أريد أن أموت هنا، أرجوك، لو أردتني أن أتركك سأتركك ولن تراني أبدا، ولن أطلب منك شيئا، كل ما أريده أن أعيش، كيف تبدل حالك، وكيف تغيَّر قلبك، لم أكن أظن يوما أن تغضبني بكلمة، والآن تقتلني!
قد كنتِ البادئة والبادي أظلم، ولا يبقى طيب على حاله، وتأبى الحياة إلا أن تخرجه منها آثما، وكأنها قد عزمت على إفساده، صدقيني أنا نفسي لم أكن أظن يوما أنني سأقتلك ولا أتصور ذلك، ولا أتصور حياتي من بعدك، ولا كيف ستكون! وتبا للنساء من بعدك إن كنتِ أنت سيدة النساء وخسرتها إلى الأبد، فلا أظن أن من دونك يسدون فجوة سيدتهم.
أُبعدها عن البدَّال، وتتشبَّث بكتفي في حالة من الهلع، إنه تشَبُّث الغريق، تُعلِّم يداها في كتفي، عين مصابة بالهلع، وعين مصابة بالبكاء، البكاء على هذا الجمال المفقود، تغيب في النيل مع غروب الشمس، وكأن حياتي هي التي غربت، واستحال نهاري ليلا من بعدها.
——
- س: ما ردك فيما هو منسوب إليك من قتل زوجتك، أهلها قدموا بلاغا بأن هناك شبهة جنائية وأن الأمر ليس طبيعيا.
= ج: مستحيل يا فندم، كيف أقتلها وهي أجمل من لاقت عيني، وهل كنت أحلم بزوجة مثلها.
- س: أهلها يقولون أن في الفترة الأخيرة توترت علاقتكما وازدادت المشاكل، فما ردك على هذا؟
= ج: ما كل المتزوجين هكذا، حضرتك متزوج؟ أكيد بتتخانق مع زوجتك، هل معنى ذلك أن كل من ظهرت في حياته بضع مشكلات قتل زوجته؟ أصلا أهلها نفسهم لا يكفون عن الخناق.
- س: لماذا قررت الخروج في بدَّال بدلا من المركب باصطحاب مراكبي معكما؟
= ج: كنت أريد خلوة، وحضرتك تستطيع أن تسأل المراكبي عن هذا، وكل متحابين يفعلان ذلك، والخروجة أصلا كانت للصلح، وتجديد عهدنا، فهذه ليست فكرة جديدة اخترعتها، ولا أمر ينهى عنه القانون أصلا، فلا أدري أين التهمة في ذلك؟
- س: ما تفسيرك لأثر الكدمات التي على كتفك؟
= ج: هي كانت تحاول جاهدة أن تسبح، لكنها لا تدرك ما معنى السباحة، تمسَّكت بي بشِدَّة، حتى كادت أن تودي بي، أنت تدري جيدا أنه عند الغرق يُصاب الغريق بحالة من الهلع تجعله يُغرق المُنقذ، كنت أنظر في عينها وهي في حالة الهلع هذه، أحاول أن أهدِّئها لكي أخرجها من المكان، كانت تتشبث بكتفي ويدي، أصابتني بكثير من الكدمات، ثم فجأة فقدتها، أنا أستطيع السباحة ولكن! ... لكن أنا لا أستطيع الغوص، كيف أجدها وكيف أبحث عنها تحت الماء، كانت نظراتنا الأخيرة عين مليئة بالهلع، وعين مليئة بالبكاء، فأنا لا أجيد إلا أبجديات السباحة.
- يُخلى سبيل المتهم.. وقد أُغلق المحضر في ساعته وتاريخه.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.