في جلسة مع مجموعة من الأصدقاء كان الحديث يدور عن صعوبة خطوة الزواج، بل ووضع أشياء صعبة في الشروط، والتعنت أثناء البحث، مما يؤخر الشخص عن الزواج، وافترضت افتراضا في أمر الصعوبة اختلف معي فيه الصديق، فقد افترضت من أسباب صعوبة الخطوة هو صعوبة الطلاق، بل استحالته، وأننا -إن جاز لنا أن نقول ذلك- نتزوج على طريقة النصارى، فأنت تتزوج على التأبيد، زواج لا خلاص منه ولا رجعة، وقد خالفني الصديق في ذلك عن أن معدلات الطلاق في مصر في ازدياد وأن كلامي غير صحيح.
ولكن ومع صحة ذلك، فلا يعني كثرة الطلاق أنه سهلا، بل هو مع كثرته هو أمر صعب عن سابق بكثير، وضربت له مثالا بشخص يجلس في غرفة وأغلقت عليه بالمفتاح، ستجده يحاول بكل ما أوتي من قوة بالخروج مباشرة من هذه الغرفة، ولو أجلسته في الغرفة دون أن تغلق عليه، عندما يرى أنه يملك خيار الخروج والدخول، يجلس في الغرفة وقتا أطول دون ريبة، لأنه بيده خيار الخروج والجلوس، والممنوع مرغوب.
بل حتى لصعوبة ذلك ازدادت حالات القتل والانتقام وغيرها، وقد تحدثت مع صديقي العزيز "شات جي بي تي" طويلا في دوافع القتل عندما ازداد الأمر مؤخرا، ولم أصل إلى شيء حقيقة، بل كنت أنتظر بفضول الشخص الذي قتله زوجته وأولاده وانتحر ولكن لم ينجح في محاولة انتحاره وذهب إلى العناية المركزة، لأعرف ما الذي سيقوله حيال الأمر وما الذي دفعه إلى ذلك، ما الذي يدفع إنسانا لقتل شريكه وأولاده وكان بيده أن يهرب منهم، أو أن يذهب إلى مكان لا يعرفه فيه أحد، لماذا يرى الإنسان الخلاص في التخلص من أهله جميعا؟ خاصة وأنه كان ينوي الخلاص من نفسه أيضا، فلماذا إن كان ينوي ذلك مبدئيا حاول الخلاص من أهله؟ ألا يكفيه أن يتخلص من نفسه وانقضى الأمر؟
وحتى الثقافات المختلفة قد تنشئ هذا النوع من الانتقام غير الواعي، فلا تدري القاتل هذا من أي بيئة وأي قرية وما هي ثقافته، وربما كان يحدث هذا قديما في المجتمعات ولم يكن هناك هذا الزخم من نشر الأخبار، فكانت هذه الحوادث لا تلقى صدا كما تلقى الآن، لكن كان بداية عجبي في شاب نشر على لينكدإن أن زوجته أصيبت في حادث، وانهالت عليه التعليقات، وكان ممن شارك المنشور شخصا عندي في الأصدقاء، فأثنى على الفتاة خيرا، وقال أنها كانت معه في عمل أو شيء من هذا وأنها تحفظ القرآن الكريم وأنها حسنة الخلق طيبة المعاملة، فترحمت على هذه الفتاة كثيرا، وأصابني من الحزن ما أصابني لأجل زوجها وفقدانه إياها.
ثم في اليوم الثاني ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بوفاة هذه الفتاة، وعلمنا أن الذي قتلها زوجها، زوجها الذي يبكيها على لينكدإن، وهو تعليم عال وكذلك زوجته، وهو يعمل في الخارجية، وزوجته تحفظ القرآن وحسنة الخلق، ومظهرهم من مظهرنا، فهم ليسوا أبناء مجتمعات بدائية، ولا يسكنون الكهوف، ولا أصحاب ثقافات نجهلها أو لا نعرف أعرافها، أو ربما القتل عندهم كصباح الخير، لكن بدأ ظهوره مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والعولمة إلخ..
وظللت في هذا اليوم أفكر كثيرا كثيرا، بل اغتممت فترة طويلة، إذ كنت أعوِّل على اختلاف الثقافات والمعارف في مثل هذه الحوادث، لكن هذه الحادثة ظلت أمامي بكل معطياتها، لأتصور هل من الممكن يوما أن تدفعني ضغوط الحياة لأصبح قاتلا، لأقتل امرأة بلا رحمة قاذفا إياها من نافذة غرفتنا، نافذة الغرفة التي شهدت حبنا وأسرارنا يوما، لتشهد الكدمات على جسدها، وتكون شاهدة على اجترارها بأرضها وإلقاءها من نافذتها التي ربما كنت أخاف عليها من هوائها، أو ربما تشهد بالضد، تشهد بأكياس كثيرة، أتت بها الزوجة لأنها لا تتحمل حمل هذا الشخص، وتخاف أن ينكشف أمرها.
ويظل السؤال قائما، لماذا يتصور الإنسان أن القتل فيه خلاصه؟ ولماذا يظن كل قاتل أن جريمته بالذات ستكون مكتملة الأركان، ومتى يُعمي الغضب الإنسان حتى لا يرى في راحته إلا القتل، ولا أرى أن منشورات فيس بوك للزوجين قبل قتل بعضهما زائفة، أو أنهما يدعيان الحب أو السلامة إذ يمدح بعضهم بعضا، حتى إنك لتجد بين حادثة القتل وبين آخر منشور فيه مدح من أحدهما للآخر مدة لا تتجاوز الشهر أو الشهرين.
ترى هل لو كانت الدنيا أخف من ناحية الضغوطات أكان الإنسان يرى في القتل ملاذه الأخير للهروب من هذا العالم؟ لأنه يدري أن أخذ أي خطوة متعلقة بالطلاق هي الخطوة التي يعيش بعدها عالما من الفتنة هي أشد من القتل حقا.
من فترة تقدم مهندس طلق زوجته لقريبة لي، وكان هذا المهندس متزوج من طبيبة، وزواجهما لم يكمل بضعة أسابيع، فقلت لها اجلسي معه واسمعي منه، واسألي عنه وعن أهله، وعن السابقة التي وقعت، فحزنت من كلامي، وقالت هل هذه نظرتك لي؟ تريدني أن أتزوج من رجل مطلّق وأنا عزباء؟
فقلت لها لا والله، ليست نظرتي للأمر كذلك، ورفضك للزواج من رجل مطلق هو حق كفيل لك بلا أي غضاضة، هذا إن كانت هذه رؤيتك الداخلية التي تؤمنين بها، لا الرؤية التي يفرضها عليكِ المجتمع المعاصر، إذ ليس في الرجل المطلق عيبا.
ثم ضربت لها مثلا بالسيدة عاتكة بنت زيد رضي الله عنها إذ تزوجت بعبد الله بن أبي بكر ثم مات عنها ثم تزوجت بزيد بن الخطاب ثم مات عنها ثم بعمر بن الخطاب ثم الزبير بن العوام. رضي الله عنهم أجمعين، وهذه امرأة، ولن تعدم أن تجد في هذه المجتمعات قديما، التزوج من أرملة ومن المطلقة وغيرها، وهذا في حق المرأة الذي هو أشد ولا شك، فما بالك بالرجل المطلق؟!
لكن المجتمع الآن يفرض افتراضات شديدة، ربما هي ما تجعل الإنسان يفجر في الخصومة بعد الطلاق، لأن الرجل والمرأة على السواء يعرفان أن الطلاق آخر رحلتهما في الحياة، وأن الحياة ستستحيل إلى سواد قاتم، وأنه لا مجال لحسن الظن فيهما من المجتمع بعد الطلاق.
فلا يكون أمام كل منهما إلا الانتقام الشديد، والتفرغ لمكيدة كل واحد منهما للآخر، بدلا من بداية جديدة لكل واحد منهما، لأن الطلاق ما هو إلا نهاية طريق وبداية طريق آخر مع شريك تفهمه ويفهمك، وإلا فلمَ جوَّزه الشرع؟
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.