مرة كنت في مواصلات الجامعة، وحتى تتصور الأمر، فالجامعة عبارة عن مجموعة من البوابات، تبدأ بجيهان، ثم طب، ثم هندسة، ثم علوم.
وفي أثناء ذلك كان معي فتاة في المواصلات منهمكة في المذاكرة، وكنا في فترة امتحانات، ثم انتبهت فجأة فوجدت أن بوابة طب قد اقتربت، فقالت للسائق بكل عفوية: على جنب يا دكتور!
وبالرغم من أن الموقف كان مضحكا جدا، إلا أني تماسكت حتى لا أشعرها بالحرج، وأنها ارتكبت فعلا مضحكا نظرا لانشغالها بالكلية والمذاكرة.
وأظن أنها في هذا الوقت كانت همها أكبر من أن تلتفت لسبق اللسان هذا، وربما هي الآن تظن أنه مر ما يقرب من ثماني سنوات على الموقف، وأنه لا أحد يتذكره، ولا تعلم أنني سأرويه بعد كل هذه المدة وسأتندر به، وكان أولى أن أراعي حالتها النفسية، وربما لو عدنا وتخيلنا تاريخ الشخصية لوجدناها كانت تكره كلية الطب، وكانت أمنية حياتها أن تدخل كلية التربية الرياضية، ليكون أقسى جهد تبذله هو القفز في المكان، ولا بد أنها تعاني من أمراض نفسية، وكانت تنتظر الوقت الذي تذهب فيه إلى الطبيب بفارغ الصبر، حتى وصلت للامتياز، وكان راتبها يقرب من 2000 جنيه، أي أنه يوازي جلسة واحدة فقط مع الدكتور محمد الشامي، فإن كانت تحتاج إلى جلستين شهريا فلن يكفي راتبها ذلك الأمر.
ومعلوم أن أكبر نسبة مكتئبين على الإطلاق هي بين الأطباء، لا سيما في جامعة المنصورة، فيكون وقتها كل أمنيتها أن تصل إلى التكليف ليتحول راتبها من 2000 إلى 7000 جنيه، لتقوم بزيادة عدد الجلسات النفسية مع الدكتور، الذي تحاول إقناعه أنها لا تستطيع حجز أكثر من جلسة ليس لأسباب مادية، ولكن لأنها منهمكة في الدراسة الأكاديمية، وقبل الامتياز كانت مضطرة للحجز مع طبيب خاص بمستشفى الطلبة، والذي كان حديث التخرج وطالب امتياز أيضا، ولا يعرف أي شيء عن السايكو ثيرابي، ويكتفي بإعطائها عقار بروزاك وانتهى الأمر، ولن يستمع إلى مشاكلها، لأن عنده ما يكفي من المشاكل.
ولكنها تذهب إلى بيتها كل يوم منهكة، لتجد الفرحة في عين أبيها وأمها، لأن ابنتنا دكتورة، ويحتفي بها أهل القرية أيما احتفاء، فهي أول طبيبة في القرية، وكل من هب ودب يسألها في كل التخصصات، وبالطبع ابنة خالتها تعيش جحيما لأنها دخلت كلية أدبية لا قيمة لها، وخالتها لا تكف عن تأنيبها بسببها، لكن القدر يبتسم لابنة خالتها وتتزوج قبلها، فتظن طبيبتنا هذه أن كلية الطب هي السبب في وصولها لسن الثلاثين دون زواج، لكن الحقيقة أن خالتها رأت أنها انتصرت في العلام على ابنتها، فقالت والله لأنصرن ابنتي عليها في الزواج، فنسبقها في أمر كما سبقتنا في أمر، فقامت بعمل عمل لها، وكلما ذهبت إليها سقتها من عصير المانجو المعلّب المحقون، وقد كانت حذرتها أمها من قبلها، لأن خالتها كانت لا تستطيع إخفاء حقدها، وقالت لها لا تأكلي ولا تشربي عندهم، إلا إذا قُدم إليكِ معلبات، ولكنها لم تكن تدرك أن المعلّبات محقونة، وأنه لا يغني حذر من قدر.
تستيقظ كل يوم فزعة، ما هذا الحلم المرعب، هو حلم الامتحان الدائم، امتحان ثانوية عامة بالرغم من وصولها للامتياز، هو الامتحان المتكرر المكروه، لكن الغريب أنه مدمج مع جو الكلية الجديدة، فهي تمتحن في مشرحة، لماذا مشرحة؟ لا تدري، الغريب أن هناك جثة في ثلاجة أربعة تسألها عن جواب السؤال الأول.
بعد استيقاظها تذهب للامتحان الحقيقي الذي هو أصعب من امتحان ثانوية عامة بلا شك، وتدعو الله أن لا يقع نصيبها فيما تظن، ولكن الإنسان دائما أسير توقعاته فيطلب منها الطبيب أن تقوم بعمل Testicular Examination للمريض، ولا مجال أمامها للرفض، حتى وإن لم تتخصصي في هذا المجال، ولماذا دخلتِ كلية طب إن لم تريدي ذلك؟ فتتمنى الموت قبل هذه اللحظة وبعدها، ولكن ما باليد حيلة، وتقنع نفسها بكل ما أوتيت من قوة أنه لا حياء في العلم، وتعطي المريض ثمانين جنيها ليقول لها التشخيص، فيقول لها: "أمال انتِ دكتورة ليه يا بنتي لما أنا اللي هقول لك أنا متشخص إيه؟"
ترجع إلى البيت مغتمة لكن لم يعد هناك هم بعد ذلك، ولكنها وبالرغم من كل هذه المأساة كانت طبيبة ماهرة، يعرفها كل الزملاء، لا سيما عندما تقف في الاستقبال أو الطوارئ، لأنها دائما ما كانت تصاب بالإغماء، ويحاول المريض الذي جاء للعلاج إسعافها، وفي مرة سألت عن سكن الأطباء في المستشفى لترتاح قليلا، فقالوا لها خذي أي مريض في حضنك، وقولي لها يتزحزح قليلا، لأنه لا أسرِّة فارغة هنا، حتى فيما يخص المرضى، ولكن هناك ممرضة طيبة، تقول لها نامي جنب هذه الحاجة، فقد أتت لعمل بضعة فحوصات فقط، فتأخذها في حضنها وتنام من كثرة التعب، لتستيقظ صباحا، وقد أتت نتائج التحليلات الخاصة بالسيدة، فتجد أنها إيجابي كورونا، وتقول لها الممرضة، نسيت أن أخبرك أن الفحوصات كانت عبارة عن سحبة كورونا.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.