في قرية من القرى الريفية التي تتسم بالظلام الحالك، لو أخرجت يدك فيها لا تكد تراها، لا يوجد أعمدة للإنارة، ولا اهتماما بالمرافق، كانت القرية تطل على أكثر من ترعة على التوازي، مع مجموعة من البيوت الصغيرة والمتفرقة، إذا دخلت إلى هذه القرية شعرت بـ "النوستالجيا" وتذكرت زياراتك القديمة لجدتك، فهذه القرية على حالها، لم تصلها الألفية الجديدة ولا تعرف عنها شيئا، هي من القرى التي تنام في التاسعة تماما، ولا زالت بعض البيوت فيها من الطين ولا ترتفع عن طابق واحد ويغطي سقفها بعض من القش، يطلق أهلها عليها قرية "أبو سريع" ويعرف بعضهم بعضا جيدا.
وكعادة أي قرية تحترم نفسها وتطل على ترعة لا تخلو من أسطورة النداهة، إذ أن هذه القرية لا تستفيد من هذا الموقع الجغرافي وإطلالة الترعة سوى سقيا الأراضي الزراعية وأسطورة النداهة كعامل جذب سياحي لأبناء الحضر عندما يذهبون إلى هناك لزيارة جداتهم أو عماتهم أو خالاتهم، كما أن الأراضي الزراعية فيها تمتلئ بكثير من الضفادع التي لا تكف عن الغطيط بالليل، إنه صوت موسيقي لا يعرفه إلا أبناء القرى الريفية، فهي تتقلب بين غطيط الضفادع والصراصير، ولو أخذتك سِنة في الليل لوجدت نفسك في أرض غير التي نمت فيها بفعل الناموس، والناموس هنا لا يُقصد به القانون، بل هو البعوض، فبعوض الريف ليس كبعوض الحضر، فكثرته هناك قادرة على الفتك بك حقا، يقولون أنه لو اجتمع عليك عدد معين من الناموس وقاموا بقرصك في نفس الذات اللحظة فهذا سيتسبب في وفاتك، وبالطبع صاحب هذه النظرية يعرف جيدا أن الرقم الذي قاله من المستحيل تحقيقه، ومن المستحيل تطبيق البحث العلمي وراءه، لكن على كل حال سكان قرية "أبو سريع" يزعمون أن هذه الحالة تحدث عندهم من حين لآخر.
لا يوجد في قرية "أبو سريع" صيدليات، ولا يوجد بها مشفى، ولا عيادة، ولا أي مرفق تظن أنه من البداهة وجوده، بل لا يوجد بها حتى محل لبيع الفول والطعمية في الصباح، فأهلها لا يعتمدون إلا على أكل الجبن والعسل في وجبة الإفطار، والفول والطعمية بالنسبة لهم فيه قدر من الرفاهة يعود بها الطالب إذا ذهب إلى مدرسته التي تقع خارج قريتهم.
وفي إحدى الليالي تنده النداهة بصوتها العذب إحداهن، وكان هذا الحدث جللا في القرية، فمن المعهود أن تنده النداهة على رجل، لأن ما ينتشر حولها في الأرياف أنها تسحر الرجال بصوتها، فيصابون بحالة من الثمالة من صوتها ويتبعونه دون وعي منهم لسطوته عليهم حتى يصلون إليها، وتختلف الأقاويل حول ما يحدث هناك، لأنه لا أحد يعود من هناك ليخبرهم، فهذه اجتهادات فلاحين ليست أكثر، هناك من يقول أن النداهة لا تفعل شيئا سوى قتل من تندههم، وهذا استنتاج منطقي لأنهم في صباح اليوم التالي يجدون جثة المندوه طافية على الترعة، وهناك من يقول أن النداهة تندههم من أجل أخذهم في أعماق الترعة والزواج بهم، ولا يوجد قاعدة مشتركة بين المندوه عليهم بحيث يستنتج منها أهل القرية من سيُنده مستقبلا، فمرة غني، ومرة فقير، وأخرى أعزب، وتارة متزوج، ليست هناك قاعدة للاستقراء، لكن المشترك بينهم جميعا أنهم ذكورا.
لكن هذه المرة كان الحدث جللا لأنه ولأول مرة تنده النداهة أنثى، كان بيتا صغيرا يجمع بين (سيد) وهو فلاح بسيط، وزوجته (هنادي) ربَّة بيت، وفي ليلة من الليالي الحارة استيقظ سيد في ساعة متأخرة ليشرب من الزير، فوجد زوجته هنادي تتجه نحو باب البيت، وكان من عادتها أنها لا تخرج من البيت حتى في الصباح إلا لقضاء بعض المصالح المُلحة، ولم تخرج قط في الليل، فاتجه إليها سيد متسائلا: إلى أين تذهبين؟ فلم تجبه هنادي، فاقترب منها ونظر إلى عينها فوجدها هائمة على وجهها ثملة لا تدري ما بها، فظن سيد أنها تسير في الليل، حاول بكل طاقته جذبها حتى لا تخرج فلم يستطع، فلم يك منه بد إلا أن ربطها في السرير حتى ينتظر الصباح وينظر ما يفعل في أمرها.
وفي الصباح سألها.. أين كنتِ ذاهبة؟ وهل أنت مصابة بمرض السير ليلا؟ فقالت له هنادي أنها سمعت صوتا عذبا يناديها، ولم تستطع أن تقاومه، وكانت تسير سيرا للذهاب إليه، فقال لها: هل كان صوت رجل أم امرأة؟
فقالت أنه كان صوت أنثى يُكرر تباعا "هنادي، هنادي، هنادي".
فقال لها: هذه النداهة، إنها تناديك، لكن منذ متى تنادي النداهة النساء؟ آخر مرة كانت من نادته محمدين، وحتى لو نداك صوت سيكون ندَّاه وليس نداهة، ولا يُعرف عندنا مثل ذلك.
فقالت له: أنا لا أدري شيئا عن ذلك، ولا أعرف لمَ نادتني أنا بالذات.
وسرعان ما انتشر الخبر في أرجاء القرية، وتكلم كثير من الناس في عِرض هنادي، فعاد زوجها إلى البيت ممتعضا وممتلئا بالغضب، ولم يكتفِ فقط بحكاية كلام أهل القرية عليها بل قام بضربها وإخراج غله كله فيها، وهي لا تسأل إلا سؤالا واحد: ما ذنبي في ذلك؟! وهو يرد عليها: ولمَ نادتك النداهة أنتِ بالذات.
ويتكرر الأمر مرة أخرى في الليل، ليلة بعد ليلة، فلم يجد سيد من الأمر بد إلا ربطها بشكل مستمر في السرير، وتوقظه كل ليلة على خطبها للسرير ومحاولة فك نفسها لاتباع الصوت، واستحالت حياتهما جحيمها فلم يعد ينام في الليل لا هو ولا هي، ولم يعد يأكل بالنهار، ولا يجد أمامه شيئا إلا أن يُخرج غضبه فيها، ويتساءل: لماذا تنده النداهة زوجتي؟! وهل هذه خطة خبيثة منها لتذهب إلى عشيقها مثلا؟ ويذهب عقله المذاهب، والكلام عند أهل القرية في ازدياد، وأصبحت سيرة هنادي على كل لسان.
وبعد بضعة أيام عاد الشاب بالخبير الأجنبي، وسمع الخبير من سيد وزوجته هنادي، وبات معهم هو والطالب ليلتهم، ورأوا الحالة التي تنتاب هنادي في ليلتها، وقد جاء التفسير في الصباح، قال الخبير: إن من ينادي هنادي زوجتك هي النداهة حقا، ولكن هناك مفاجأة في الأمر.. إن ميول النداهة قد تغيّرت، فلم يعد لها رغبة في الرجال، ورغبتها الآن في النساء، النساء وفقط.
استشاط سيد غضبا وقال: هذا كلام غير منطقي، ولم تنادِ النداهة يوما امرأة، ولمَ عندما قررت أن تنده النساء قررت أن تنده زوجتي هنادي بالذات.
واجتمع أهل القرية للبت في أمر سيد وزوجته، وسمعوا الكلام من الخبير، واستنكروا عليه كما استنكر عليه سيد كلامه من قبل، وقالوا له: ليس من المنطق أبدا أن تنده النداهة النساء، إنما كان عملها على الرجال، وكيف تتزوج النداهة من امرأة مثلها تحت الماء؟
فقال لهم الخبير: أنتم تؤمنون بوجود أسطورة كالنداهة، وتؤمنون أنها ذات صوت ندي، لا يستطيع المندوه مقاومته، ويهيم به هيمانا، وأنها تتزوجه تحت الماء، وتقتله ثم يطفو على الترعة في الصباح، كل هذا تؤمنون به، ولا تؤمنون أننا أصبحنا في الألفية الجديدة وقد تغيَّرت الميولات، وما يحدث في عالم البشر يحدث في عالم الماورئيات، وأن النداهة مثلكم تماما، ربما لم تعد تجد رغبة في الرجال ووجدتها في النساء؟ هل عندكم تفسير آخر غير هذا!
ظل أهل القرية على حالتهم، مستنكرين لكلام الدكتور، مؤمنين بالأساطير والماورائيات وبما هو أشد من ذلك، لكن لم يدخل عقولهم يوما أن النداهة يمكن أن تصبح في يوم من الأيام شاذة أو ذات ميول مثلية بحسب وصف الدكتور، حتى ولو كانت أسطورة، فإن الأساطير لا يُعاد تأويلها، وأننا من صنعنا هذه الأسطورة، ونحن ندرك أخلاقها جيدا، ولن يأتي خبيرا أجنبيا يعلمنا ما لا نعلم، أو يخبرنا أن طبيعة الأسطورة تغيّرت، وأننا يجب أن نغيّر أدبنا ليواكب الألفية الجديدة.
تحول الحوار إلى حوار فلسفي بين مجموعة من الفلاحين البسطاء وبين الخبير الأجنبي وطالبه، وهنادي تنظر إليهم في هذه الجلسة التي يُبَت فيها في أمرها وقد نسوها، فقالت لهم بصوت طلعت زكريا: احنا نحل مشكلتك بقى ونحل مشكلتها، وتتحرق مشكلتي أنا بجاز.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.