كنت بجانبه حتى النهاية

 


كنت أقرأ كتابا في علم النفس، فوجدت أنه ربما يحدث بين المعالج وبين الحالة اتصال عاطفي أكثر من اللازم، ثم ذكر الكتاب مثالا على ذلك لمعالجة نفسية ومريض، بالرغم من إنها تسير على البروتوكول، وملتزمة بالجلسات تماما وبالمدرسة العلاجية، إلا أن المريض انتحر في النهاية، هل هو بسببها؟ بالطبع لا، لكن لتعلقها الشديد بالحالات، شعرت أنها هي السبب في هذا الانتحار، وتوقفت عن عملها، والذي أكّد لها هذا هو رفع أهل المريض قضية عليها، والذي زاد من حالتها سوءا، وجعلها تحمّل نفسها ما لا تحتمل، وتلوم نفسها، وأنها كانت باستطاعتها أن تنقذ نفسا من الموت، كل هذا بسبب حساسيتها النفسية والعاطفية الشديدة.

لقد لمستني هذه القصة وشعرت بما تشعر به تماما، بالرغم من أنني لست معالجا نفسيا، لكن بعض الأصدقاء يحبون أن يبثوا إليّ شكواهم، غالبا ما أنصحهم بالانتحار، لأنه لا حل لمشاكلهم سوى التخلص من حياتهم، المشكلة أنني أحيانا أشعر بالحزن وتأنيب الضمير عندما أجد أن حسابهم تحوّل بعد ذلك إلى last seen along time ago ، ثم أعلم أنهم قاموا بالانتحار فعلا بعد نصيحتي لهم.

كنت أحمّل نفسي هذا القدر من الحزن، بأنني السبب في التخلص من حياتهم، ولم أكن أعتبر أنهم أشخاصا مميِّزين بالغين عاقلين، وأنا لم أكن لهم سوى ناصح أمين، أما الأخذ بالنصيحة من عدمه معتمد عليهم هم، هل لو قلت لأحدهم ألقِ نفسك في البحر سيفعل؟ إذا لماذا أحمّل نفسي هذا القدر من الحزن والمسؤولية؟ إنها رقّة قلبي ومشاعري وحساسيتي النفسية التي تكاد تفتك بي لأجل الآخرين، لكن كيف الخلاص؟!

ثم تنقلب السوشيال ميديا رأسا على عقب، أين أصدقاء هذا الشاب الذي أودى بنفسه؟ أين كانوا حينما فكّر في الانتحار، أين من يسانده؟
فأقول لهم أنا صديقه أيها الأوغاد؟ ما الأمر؟ لقد كنت بجانبه لحظة بلحظة ولم أتركه برهة، لقد حدثني بمشاكله قبل الانتحار وسمعته منها بصدر رحب، فلما طلب نصيحتي نصحته بالانتحار، فكفاكم مزايدة، فلا أحد قريب من أصدقائه مثلي.

ويظهر شخص أحمق آخر، نقول له ثور فيقول احلبوه، ليسأل نفس السؤال بشكل مختلف: أين كنت إن كنت تدعي صداقته عندما ألقى نفسه؟
أيها الغبي أنا من ألقيت به، هذا ظهره ارفع عنه هذا التشيرت، هذه البصمات على ظهره بصمات من؟ إنها يدي تُعلّم خمسا على ظهره، أنا من دفعته من الطابق الحادي عشر دفعا للتخفيف عنه، لأنه كان يشعر بالتردد.

المشكلة أنني أواجه نفس المشاعر السلبية بعد نصيحة كل صديق، ومن الممكن أن أتخلى عن سماع شكواهم وشراء راحتي النفسية، لكن وكما يقول رامز جلال: أنا بحب أصحابي.

تعليقات