من التعليقات التي أجدها كثيراً —ويبدو أن هناك شعوراً بأنه من التعليقات المنطقية التي لو قيلت للخصم لأسكتته— قول أحدهم حين يُنكر عليه أمر، كأن يُنكر عليه تبرج إحداهن أو يُطلب منه المداراة على صورة: "هل سيترك إلهكم القتلة وسفّاكي الدماء والحروب التي في العالم ويحاسبني لأنني نظرت لإحداهن، أو لأنني نشرت صورة متبرجة؟!"
ولا أرى في هذا التعليق إلا التسافه؛ فهو يدّعي عمقاً واطلاعاً، ويحاول الانتقاد من باب أن هذا يخالف العظمة الإلهية، لكنه يُسقط القدرة البشرية المحدودة على الخالق سبحانه وتعالى. فإنه -جلّ وعلا- لا يعجزه أن يحاسبك ومعك سفّاكو الدماء في آن واحد، وهو الذي يحاسب على مثقال الذرة من خير أو شر، وسبحانه العدل، فأنت تنطلق من أن قدرة الله سبحانه وتعالى كقدرة البشر ظنا منك أن قاضي الأرض كقاضي السماء، فقاضي الأرض يمكن أن تشغله الجنايات الكبرى عن الجنح الصغيرة، لكنه -سبحانه وتعالى- لا يشغله شأن عن شأن، قال تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}، وقال: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}
وعلاوة على ذلك فالذنوب ليست واحدة، وحتى الشرائع تختلف من أمة إلى أمة؛ فهناك من حرّم الله عليهم صيد السبت ومسخهم لمخالفتهم وجعل منهم القردة والخنازير، وهناك من خفف الله عنهم، كما قال تعالى على لسان نبيه عيسى: {وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}. ويُختلف في أمور هل تشريع من قبلنا تشريع لنا أم لا، والمسائل الفقهية من باب الفروع تتغير بحسب الحكمة وما يصلح العباد، ولو شاء سبحانه نسخ منها ما يريد، ولكن الأصول واحدة، فلن يُبعث نبي إلى أمة ليقول لهم إن الله واحد، ثم يأتي نبي آخر ليقول ضد ذلك أو أن هناك جديداً في اعتقادنا بالله، ولم تكن هذه مطية يوماً للعلماء ليتهاونوا في حدود الله، بل رأوا أن تعظيم حرمات الله والشرائع في الكبير والصغير من تعظيم المشرّع سبحانه وتعالى، تماماً كتعظيمنا للحجر الأسود وتقبيلنا له؛ فنحن نعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولولا أننا رأينا رسول الله ﷺ يقبّله ما قبّلناه.
فقال سبحانه لهم: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}؛ ثم ماذا بعد ذلك، ما تكملة الآية؟ {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا}، وقد قال سبحانه وتعالى أيضاً: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}. فلا يكون ضرب الأمثال بعظيم الأشياء وضعيفها إلا زيادة في إيمان المؤمنين وجحود الجاحدين، ونعوذ بالله سبحانه أن يهدينَا فنحب العَمَى على الهدى.
ولو كان الإنسان في تيه وغابت عنه بدهية من بدهيات الحياة، ولكن من فيه الخير وذُكّر سيتذكر وستنفعه الذكرى، فلو قيل له: ثكلتك أمك! وهل يُكب الناس على وجوههم في النار إلا لهذا؟ لوعى حقيقة الأمر.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.