لا يوجد أطيب من بهاء سلطان إلا شخص واحد فقط هو بهاء سلطان ذاته؛ افتتاحية مريبة بعض الشيء، ونَصٌّ مترددٌ في كتابته، لكن على كل حال فهذه الخاطرة محض مصادفة لأمور شتّى علقت بذهني. بهاء مشهور بأنه رجل طيب -أو هكذا يُقال- يهضم نفسه، هو لم يخبر عن نفسه يومًا أنه طيّب، لكن جمهورًا من الناس بهذا يشهدون، كما أنه يهضم نفسه، وهذا يظهر من لقاء له مع أنغام حيث تشيد به، فيقول إنه لا يصدّق نفسه أنها معجبة بصوته، لكن التعليقات تُصر أنه أكثر موهبة منها، وأن بهاء سلطان لا يُدرك حقًّا أنه بهاء سلطان! وفي موضع آخر تخبره إحداهن أنها كانت تريد أن تغني إحدى أغانيه وتمنت لو كانت لها حين سمعتها منه، فظل يعتذر لها ويقول إنه لم يكن يعلم ذلك، وأخرى معجبة قابلته برسمة له تقريبًا فظل يشكرها ويقول لها: "هل تريدين أي شيء؟"، والذي يظهر أنه وقت قليل وكان سيعطيها مفتاح عربته هدية لكي تعود إلى بيتها.
بهاء سلطان مُنع من الأغاني ما يقرب من عشر سنوات، بسبب عقد احتكار أمضاه مع نصر محروس، لا تهمني تفاصيل الأمر، ولا أعرف شيئًا عن ذلك، وكل ما أقصّه هنا بالفعل قابلني محض مصادفة دون استقصاء مني على فترات طويلة، لكن عقلي هو من يحب رسم سردية كاملة، فربما من يقرأ كلماتي هذه يظن أنني أعرف بهاء سلطان، أو أسمع أغانيه، لكن هذه ليست الحقيقة، ولا أحب قطع سيل الأفكار والتنويه، لكن هذه هي الحقيقة، ماذا فعل بهاء سلطان مع من منعه من الأغاني عشر سنوات؟ وعلى كلام تعليق من التعليقات؛ فإن بهاء قد كسب القضية التي رفعها على نصر محروس بعد هذا العمر وعاد للغناء، لقد كانت أول أغنية يغنيها بهاء سلطان بعد انقطاع عشر سنوات "تعالى أدلّعك"، ولمن غنّاها؟ لنصر محروس الذي منعه من الغناء عشر سنوات!
وليه طيب؟ عشان طيب!
يظهر من السابق أن بهاء سلطان طيّب القلب، هيّن ليّن سهل، حتى وهو في أكثر الأماكن وباءً وفسادًا، فهذه البيئة لم تؤثر في صفاته الجبليّة.
لو رسمت شخصية بهاء سلطان على امتدادها في حياته الشخصية، فلن تظن يومًا أنه قام بضرب امرأته إذا حدث بينهما خلاف، ولن تكون هناك أي شائعة عنه أو عن زوجته في الصحافة الصفراء، ليه طيب؟ عشان طيب.
لو طَلَبَتْ أم بهاء سلطان منه أن يأتي لها بالخبز من الفرن في السادسة صباحًا في الشتاء لن يتأخر بهاء سلطان دقيقة، حتى ولو كان وقتها (مطبّقًا) ولم يذق طعم النوم، وسيأتي بالعيش وفوقه قبلة على جبين أمه.
قال لي صديق ذات مرة إن بهاء سلطان أو حمادة هلال -وهما متقاربان في الصفات- لا يعتلي مسرحًا عليه راقصة، وقال لي آخر ممازحًا: عندما يذهب إلى حفلة يفصل الرجال عن النساء.
نموذج آخر لن أذكر اسمه ولكنه معلوم، تحدّث عنه أكثر من شيخ على فيسبوك إشادةً به، وأنا هنا لست في موضع نقد أو مدح، ولكن هذه إشادة حقيقية من البعض في حق هذا المغني، لماذا؟ لأنه يقول إن الأغاني حرام، فيطيرون بهذه الكلمة له، ويقولون: فلان هذا أشعر فيه بالصدق، وربنا ينقذه من هذا المجال... إلخ.
مع أن فلانًا هذا الذي يمدحونه لقوله الذي يكرره في بعض البرامج متزوج من راقصة، ولا أدري أطلقها أم ماذا، ثم هو يُرسل لها بلطجية إلى الفيلا لطردها، ثم يتزوج من أخرى بعدها راقصة أيضًا، ثم يقول إن هناك زيجات أخرى وراء هذه عرفية، ومن وراء كل هذا يتم القبض عليه في المطار بحشيش، ولا يتوقف عن الغناء والظهور في أرذل الأماكن.
لكننا نشعر بالصدق لأنه قال إن الغناء حرام، ويبدو أنه شخص طيب القلب! أما بهاء سلطان الذي تزوج مرة واحدة ومن امرأة لم يُسمع عنها شيء خارج الوسط، والذي لم يُعرف عنه حتى التدخين فضلاً عن الحشيش، ولا يلهو بين الراقصات؛ ليس له نصيب من الصدق، ليه طيب؟ علشان لم يقل في برنامج من البرامج إن الأغاني حرام، ثم بعد البرنامج يفعل ما يريد من الكبائر، لكنّه قال كلمة يدغدغ بها قلوب الجماهير المتدينة ويضحك عليهم.
وبعدُ، فما الخديعة التي وقع فيها من مدحوا الثاني؟ وإن كانت القضية كلها تافهة، لكن الشأن لا يعترض المثال؛ إذ قد كفى الفرض والاحتمال. الخديعة يا رفيقي أنهم يأخذون بكلام الشخص لا بأفعاله، فالأول حياته الشخصية والعامة تنبئ عن معدن أصيل في ذاته وعن صفات حسنة جبليّة مع الوقوع في الإثم، أما الآخر فحلانجي وكلامنجي، وصفاته تنبئ بضد كل ما يقول.
ولو ذهبنا لإحدى الفتيات على هذه الطريقة، وذهب لها النموذج الأول وجلس معها، وظهر منه من الصفات ما ظهر، لكنه لا يتكلم كالنموذج الثاني ولا يدغدغ المشاعر، والثاني يقول لها: ستكونين ملكة متوَّجة، وسأتغير، وأنا أرى أن كذا حرامٌ؛ لفضّلت الثاني على الأول بمعيارها. والحق أن الأول لن يؤذيها وسيصونها، والثاني سترى منه العجائب.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الناس معادنُ، خيارُهم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام إذا فَقِهُوا"، والقصد أن فلانًا هذا صاحب الصفات الراسخة في (الطيبة) التي جَبَله الله عليها لم تتغير عليه حتى في أسوأ الأوساط، ورفيقه في نفس الوسط اختار أسوأ الاختيارات، والاثنان أبناء كار واحد؛ إذن الأمر لا يتعلق بالبيئة فقط، بل هناك معطيات أخرى.
لذلك لا يعني كون الإنسان أصبح متدينًا، أو انتمى لطائفة معينة، أن بهاء سلطان الذي بداخله، أو هذا الآخر الذي بداخله أصبح شخصًا آخر متدينًا؛ بل هو بهاء سلطان كما هو أو هذا الآخر كما هو لكن بلحية.
مجرد المعرفة الدينية -هذا إن كانت موجودة- لن تجعله شخصًا آخر، كلنا عندنا صفات جبلّية، وكلنا عندنا أمور منها الحسن ومنها السيئ، وإنما الصبر بالتصبر، لكن المشكلة أن هذا الآخر عندما ينتسب إلى الدين ينسب سوء خلقه إلى الدين، خاصة أن الانتماء لبعض التيارات سهل ومنتشر، فتجد هذا التيار هو المتصدر في سوء الخلق مثلاً، فمعنى هذا أن هذا التيار يعلّم أبناءه سوء الخلق، والحقيقة أن هذا التيار يجمع أشتاتًا، وكل واحد من هؤلاء ينضح بما فيه، أما التيار ذاته فلا يجعلك بهاء سلطان أو هذا المغني الآخر -يا ريتني قلت اسمه بدل ما كل شوية أقول هذا الآخر-.
هذا معناه أن فلانة المتبرجة بعد أن انتقبت لم تصبح شخصية أخرى، بل هي نفس الشخصية التزمت بالهدي الظاهر، فالنقاب لم يُضِف إليها صفات نفسية جديدة، فإن كانت سيئة الخُلق قبل النقاب، فهي سيئة الخُلُق بعده، وإن كانت حسنة الخُلُق قبله فهي حسنة الخُلُق بعده.
لكننا نخلط بين أمرين، نخلط بين صفات الإنسان الأساسية وبين اكتسابه المعرفة الدينية، فنظن أن اكتساب المعرفة هو في حد ذاته فضيلة، وأن من كتب كلامًا حسنًا هو حسنُ الخُلق، وهذا ليس بصحيح، بل إن البشر مختلفون في الطبائع، وهناك من عنده طبائع محمودة وسيئة، وعندما يتدين يحاول أن يتغلب على السيئة، لكن لا يُكسبه التدين سوءَ الخلق، ولا يجعله العلمُ -مثلاً- متعالمًا.
فإن كانت فلانة تختبر المتقدم إليها في القراءات، أو تفعل به الأفاعيل، أو ترتكب حماقات؛ فهذه الحماقات لم تكتسبها بسبب كونها تعلم، أو بسبب كونها على معرفة بأمر، بل بسبب أن في تركيبها الأصلي حُمْقًا، لو كانت متبرجة لكانت ستخرجه على صورة أخرى؛ كأن تسأله عن أنواع المكياج أو السيارات، وإن كانت متدينة ستخرجه على صورة أخرى؛ كأن تسأله في القراءات.
وهكذا في الرجال أيضًا، فمتحدثٌ عن المروءة ومتصفٌ بها، والناس تغترّ بالمتحدث أكثر من المتصف بها، والحقيقة أنني قد مللتُ وأريد أن أذهب إلى النوم، فغدًا أكمل الفكرة إن شاء الله أو أتركها على هيئتها هذه، وآمل أن يكون قد وصلكم غرضي من الأمر.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.