هو جديد في عالم الصلاة، جديد تماما، ربما مر عام أو عامان على التزامه بها، قليل الأصدقاء، لذا فإن تصوراته من عالم الخيال، لم ينزل إلى الواقع أبدا، حتى التراجم والسير الذاتية لا يعرفها، إنه يستقي معرفته من نفسه التي بين جنبيه، التي ربما هي أقسى عليه من أي نفس خارجها.
كان يذهب إلى الصلاة كل يوم، يصلي في الصف الأول أو الثاني، ويرى وجوها ثابتة، لذا كان يظن أن هذا المسجد مميز جدا بأصحابه، لكن إن شئت أن تدعي أن كل المساجد كذلك فربما يكون ظنك صحيحا، رجال مسنين في الصف الأول، وربما يكتملون في الصف الثاني، وقلة من الشباب تكاد تنعدم، وبالفعل فهي تنعدم في صلاة الفجر، فالفجر للعجائز، وللشباب النوم.
ربما هذه ليست فضيلة للعجائز، ولا لفساد في الجيل الصاعد، لكن لأن عدد ساعات النوم البيولوجية تقل بازدياد السن، فينام العجائز أربعا، ثم يستيقظون، بعد أن كانوا ينامون ثمانية.
عرف صاحبنا أن هؤلاء يُسمَّون بأوتاد المسجد، وعرف أن اللفظ مأخوذ من حديث شريف، إن أوتاد المسجد هؤلاء هم الذين يترددون على المسجد بشكل دائم، لابد أنهم هؤلاء العجائز في الصف الأول فلم يتغيّبوا يوما، بل لم يتغيبوا صلاة واحدة، ربما لا أجد مكانا في الصف الأول بسببهم، ولو تجاسرت على التبكير لأخذتُ مكان أحدهم، فأنا أخشاهم، وأخشى رد فعلهم، لا يمكنني التجاسر على ذلك أبدا، فأنا أشعر أن هذه الأماكن بأسمائهم.
بالرغم من أن أوتاد المسجد أصبحوا يعرفونه جيدا، لكنه لم يعتبر نفسه يوما من أوتاده، هؤلاء الذين شابت رؤوسهم في المساجد كيف أكون منهم؟ كم مرة تردد على أسماعهم سورة هود وأخواتها؟!
وكان صاحبنا إذا ذهب إلى الحمام، أو قام للوضوء وسمع الإقامة، ومن بعدها تكبير الإمام، قال ضاعت الركعة، ضاعت تكبيرة الإحرام، فلا يذهب إلى المسجد، لأن هذه صلاة ضائعة، فيصليها في بيته، وكم ضاعت عليه صلوات وصلوات، بل كان يشعر بالإحباط في كل مرة يحدث له ذلك، وهذا الإحباط يجر وراءه الكثير والكثير من الانتكاسات، الانتكاسات التي ربما تجعله يترك الصلاة تماما في المسجد، لأنه يجاهد ويحاول، ربما هو في قرارة نفسه كان يريد أن يكون من أوتاد المسجد، لكنه لا جُهد له على المثابرة والالتزام، هو شخص فاشل تماما، إن هذا الطريق ليس بطريقه، ويظن أن الجميع يفعلون مثلما يفعل، فالدنيا ناجح وفاشل، وقد علم إلى أيهما ينتمي.
= ازيك يا حبيبي، كيف حالك؟
- الحمد لله بخير والله، أول مرة أشوف حضرتك تتأخر عن الصلاة من أول ما أنا جيت المسجد تقريبا!
= آه يا حبيبي، عادة لا أتأخر، لكن راحت عليّ نومة وصحيت على الإقامة، وعلى ما اتوضيت وجيت كان الإمام سَلِّم، فقلت ألحق بركة المسجد.
- معقول، يعني كدا ضيعت المجهود اللي بنيته كل السنين اللي فاتت؟!
= مجهود إيه يا حبيبي؟
- عدد الأيام اللي بتعلّم عليها في الكشكول إنك لحقت تكبيرة الإحرام في الصف الأول، علشان لما تموت يقولوا: ولم يترك رحمة الله تكبيرة الإحرام أربعين سنة.
= أنا معنديش كشكول ولا بعلّم ولا حاجة، ولا عمري انشغلت أنا بحضر تكبيرة الإحرام ولا لأ، أنا بحضر عادي بتوفيق من الله، ولم أحسب الأمور بحسبتك هذه، والدين بالنسبة لي ليس (تاسكات) أجمّعها وأعلّم عليها، أنا أعامل رب رحيم.
- يعني نومك عن الصلاة اليوم ليس عقوبة من الله لذنب فعلته؟!
= والله لا أدري يا حبيبي، الإنسان سيعيش حياته كلها ولن يعرف أراض عنه ربه أم ساخط، لكنه يعمل ويظن بالله خيرا.
- طب مش خايف من إنك تكون شُطبت من قائمة أوتاد المسجد؟!
= ومن هم أوتاد المسجد؟!
- أصلا!
= أنا رجل على أد حالي يا بني، ليست لدي المعرفة التي تملكها، فحدثني على قدر عقلي.
ربما ظن صاحبنا بهذا الرجل البسيط سوءا، لكن كيف يظن به ذلك وهو يعرف من جلسات أوتاد المسجد الودية أن هذا الرجل يرى النبي -صلى الله عليه وسلم- كل يوم في منامه، وصاحبنا المثالي لم يرَ النبي - صلى الله عليه وسلم- يوما، لكنه من المؤكد سيعيد نظرته مرة أخرى للعبادة، ربما في المرة القادمة عندما يسمع الإقامة وقد تأخر في الخلاء أو وضوئه، سيذهب إلى المسجد رغم التأخير، وسيكمل العد من أول صلاة صلاها، ولن يبدأ عداد الصلاة من جديد، وربما يلغي هذا العداد تماما، ويترك الأمر لله.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.