وأنا قاعد في الـ Work Space بالأمس مع صديقي العزيز شلبي سلوفان، دخل علينا (فيديو إيديتور) أو تستطيع أن تطلق عليه أيضا (مونتير) إن شئت، وهو الشخص الذي يقوم بمنتجة الفيديوهات، ثم بعد قليل دخل آخر يمتهن نفس المهنة، لكنه أهون من الأول، خرجت من الغرفة ودخلت مرة أخرى لأراه يعدّل فيديو reel فاستعذت، هل أنتم من جعلتم منّا مدمنين؟!
تعرّف الشخصان أصحاب المجال الواحد على بعضهما البعض، وطلب الثاني من الأول رقم هاتفه لأنه ربما يحتاجه في عمل، فتحدثت مع الثاني لأني وجدته أكثر لينا، وقلت له: السلام عليكم، معك أيمن، تخرج من كليته ولم يعمل بها، ثم تخرج من ITI ولم يعمل بها، ثم تخرج من .......، فقال حسبك، ومتى ستعمل؟ (أو ربما قال هذا في نفسه، لا تأخذ النص بالشكل الحرفي).
فقلت له: أنا أعمل بالفعل لكن في عمل نادر أو غير معروف، لو فقدت هذا العمل، من الصعب أن أشرح لأحد ما العمل الذي أقوم به لأقوم بعمل مشابه له.
وكان ليّنا أكثر مما توقعت، ويبدو أنه طيّب القلب، قلت له أنا أقوم بعمل فيديوهات لي، وبين حين وآخر أحب أن أتقن عملي، لذلك فكّرت في عمل مونتاج لفيديوهاتي، وهي مهارة تتطلب جهدا ووقتا، فبدلا من بذل هذا الجهد لفيديوهاتي التي لن يشاهدها سوى شلبي عدة مرات من أكثر من IP مختلف ليُشعرني بالتفّرد وأن هناك أحدا ما يهتم، فأصرف هذا الجُهد في منتجة فيديوهات الغير أيضا ويصبح عملي.
فقال أنا تخصصي ريلز، لا أقوم بعمل الفيديوهات الطويلة، والأفضل عندما تدخل هذا المجال أن تتخصص، ثم قال عملنا ليس فيه تشبّع كما تكرمت وذكرت، بالعكس الطلب عليه كثير، وفي نفس الوقت أعلم من لا يعمل، لأن الأمر يتعلق بالنصيب أيضا، فعملي كان محض مصادفة، فهو ترشيح أدى إلى ترشيح إلخ..
ولأن أول عميل أعجبه الأمر أو أول شركة كنت أعمل فيها، طلب سعودي من صاحب هذه الشركة ترشيح أحدهم فرشّحني، فقال السعودي ماذا تطلب في إنجاز هذا العمل؟ فطلبت منه الراتب الذي تعطيني إياه الشركة في الشهر، فأعطاني إياه دون اعتراض، فاتجهت للفري لانس، وكل عميل يسلّم الآخر، ومن ترشيح إلى ترشيح، فلم أحتج للبحث عن عمل، أما مواقع الفري لانس فلا عمل منها.
فقلت له سبحان الله، هذا كله بسبب إحسانك في عملك الأول واتقانك فيه.
قال بصفاء نية يمكنك أن تصل إلى ألف دولار في الشهر، لكن ستتنازل عن أمور منها الصحة والوقت، فأنا في ليلي ونهاري أعمل على تعديل الفيديوهات، بل إن خرجت مع أصدقائي فلا يفارق هذا اللابتوب يدي.
فقلت له: نعم، هذه المعادلة الصعبة، إما المال أو الصحة أو الوقت، لا يمكنك أبدا أن يكون لديك أسرة تجلس معهم، ومال تنفق منه عليهم، وصحة تسعى بها في هذا الزمن، يجب أن تختار إما وقت تجلس فيه مع زوجتك وأبنائك وأنت فقير تتكفف الناس، أو تسافر أو تعمل عملا ثمانية ساعات فأكثر فلا ترى زوجتك إلا مرة في العام، وعلاقتك بابنك تكون أشبه بعلاقتك بمديرك في العمل، يُنكرك كما تنكره، الفرق أن مديرك غني أما أنت ففقير رغم كل هذه التضحيات.
قلت له يبدو أنني لن أتنازل عن وقتي، ربما مغالطة التكلفة الغارقة هي ما كانت ستدفعني لعمل المونتاج للجميع، لكن بما أنه من المستحيل حفظ قدر من الوقت للمتنفس، فليذهب المال إلى الجحيم، ودعنا نستمتع بالفقر، أو كما قال ديل كارنيجي دع القلق وابدأ بتوديع الحياة.
ربما يمكن أن أتنازل وأعمل كمونتير وأصرف وقتي كله لهذه المهنة بشرط واحد فقط، أن أكون مونتيرا لإياد الموجي، وأن يقول في نهاية كل حلقة، يا رب أيمن يدخل الجنة، بدلا من مقالته العامة يا رب تدخلوا الجنة.
المهم يا صديقي، لو عندك معادلة تختار فيها بين الوقت والمال فماذا تختار؟
ماذا تقول؟ وقتك كله للعمل وفقير أيضا! أشعر بالتعاطف تجاهك صدقني.
هل تعلم؟ أظن لو كنّا في زمن الأنبياء على حالنا هذا، ومر رجل من الرجال الذين كان يطلق عليهم لفظ رجل من أهل الجنة، ثم ذهب واحد منا للمبيت عنده، كان سيعجب مما يراه، لأنه سيرى رجلا يعمل ثم يصلي ثم يعمل ثم يصلي ثم يعمل ثم يصلي، ثم ينام، ثم يعيد يومه.
فتسأله متعجبا: هل هذا يومك فقط؟ لا تفعل شيئا سوى العمل؟!
فيقول: وهل رأيت هناك وقتا متبقيا لأفعل غيره؟!
فتقول: وبمَ كنت من أهل الجنة؟
فيقول لك: بالسعي على العيال.
قال رسولُ اللَّه ﷺ: دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ في سبيلِ اللَّه، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ في رقَبَةٍ، ودِينَارٌ تصدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ علَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذي أَنْفَقْتَهُ علَى أَهْلِكَ رواه مسلم.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.