الوَجْد هو الهم الناقع

استكشف وَجْد

روابط وَجْد

وَجْدالوَجْد هو الهم الناقع
ابحث في كتابات وَجْد اكتب ثلاث حروف على الأقل للبحث في العناوين والنصوص والتصنيفات.

ابتلاء الجينات.. أن تقاوم ما جُبلت عليه


كنت أفكّر بطريقة ما في إنسان هذا العصر، وأنه ربما يولد واحد عنده استعداد جيني للمرض النفسي، بل ربما يكون هناك دافع وراثي أيضا إلى جانب هذا الاستعداد النفسي. 

لذلك ربما تلحظ  طفلين وُلدا في نفس البيت، واستجابة كل واحد منهما للعوامل المحيطة مختلفة تماما، هذا انطوائي وهذا أكثر انفتاحا، هذا هادئ الطباع وهذا حاد الطباع، والمُدخلات واحدة. 

إذا ربما الإنسان في بداية عمره يتأثّر ببيئته وتربيته، وعوامل وراثية، واستعداد جيني.. بل وسمات لم يخترها تماما.. 

ثم عندما يصل إلى العشرين، يظل يقاوم بعض هذه السمات ويقوِّمها، أو ربما يحاول التعافي من البيئة التي نشأ فيها، وربما أيضا يحاول أن يثور على هذا الاستعداد النفسي الذي لم يختره! 

وآخر نشأ نشأة أخرى أهدأ، وسماته أفضل، ليس في حاجة كبيرة أن يستهلك الباقي من عمره لإصلاح معطيات بيئته في طفولته. 

وكنت أسأل ما ذنب الأوّل أن يتعذّب في هذه الحياة؟ بل ماذا فعل ليعيش حياته كلّها يقاوم في أمور ليس له يد فيها؟ 

ثم مرة أخرى أرجع إلى نفسي.. لماذا اخترت الجانب النفسي في حياة الإنسان، ولم أنظر إلى الجانب البدني؟ 

هناك من يُولد أعمى بالفعل ولم يختر ذلك.. هناك من يولد أصم أو أبكم أو حتى قعيد وكلهم لم يختر ذلك، هو بدأ حياته بإعاقة منعته من أن يختار نوع معيّن من الحياة، وسيحاسب كما سيحاسب السليم المعافي. 

قلت ربما هو الإلف، لقد ألِفنا هذا النوع من الإعاقة في هذه الحياة، وربما أيضا لانتشار الأمراض النفسية في هذا العصر وتحوّلها إلى موضة. 

إذا كلا النوعين مُبتلى، لكن كما أن الأعمى سيُحاسب بناء على معطياته، فكذلك من وُلد بآفة نفسية بل آفات سيُحاسب على معطياته التي أعطاها الله له. 

فليس كل البشر سواء، وليس كلهم خرج من طابعة واحدة طبعتهم، فهم في المُعطيات والمُخرجات إنسان واحد. 

- قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِأَشَجِّ عبدِ القيسِ: (إنَّ فيك خُلَّتَينِ يُحِبُّهما اللهُ: الحِلْمَ والأَناةَ)، فقال: أخُلُقَينِ تَخلَّقتُ بهِما؟ أم خُلُقينِ جُبِلتُ علَيهِما؟ فقال: (بل خُلقَينِ جُبِلتَ عليهما) فقال: الحمدُ للهِ الَّذي جبَلَني على خُلقَينِ يُحِبُّهما اللهُ ورسولُه.

إذا يمكن أن يجبلك الله على الحلم والأناة، أن يجبلك على الصبر، أن يجبلك على الجَلَد. 

ويمكن أن تكون ضيّق النفس، قليل الصبر... 

وليس الأول كالثاني، ولا ابتلاء الأول كابتلاء الثاني. 

فأنت مأجور على مقاومتك لهذه السمّة التي وجدتها في نفسك في وقت ما، ربما تنظر إلى الآخرين أنهم لا يقاومون نفسهم نفس المقاومة التي تقاوم بها هذه السمة، بل هم لا يشتكونها، فالأمر بالنسبة لهم كالماء الزلال، وأنت تعاني فيها الأمرّين. 

أنتما لستما سيّان على الإطلاق، الأمر تماما أشبه بمن يتعرّض لبيئة فيها فتنة الخمر ولم يعاقرها فهو في جهاد، ومن هو في بيئة لا تعرف معنى الخمر. 

فهل امتناع الأول كالثاني عن المعاقرة؟ 

وكذلك في حالة الأغنياء والفقراء.. ربما من يمتلك المال لم يبذل فيه جهدا، لكن في النهاية هو معه مُعطى مختلف عن الفقير الذي لم يُعط هذا المال، لذلك فحسابه مختلف.

 "ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ"

ربما أحيانا تفكّر ما الذنب الذي اركبته في بطن أمّك قبل أن تولد لكي تولد في مصر؟ بل ما الذنب الذي ارتكبته لتولد في هذه الحقبة بالذات وفي مصر؟ 

لكن في النهاية إن أدركت أن هذا ابتلاؤك، وهذه قصّتك التي ستحاسب عليها، ومعطياتك التي ستحاكم لها فالأمر يهون. 

من نشأ نشأة أخرى لن يكون مثلك تماما، معطياته مختلفة واختياراته مختلفة، فلا تقارن نفسك بزمان آخر بعوامل أخرى، فلا تدري من كان يعيش في ذلك العصر لو كان في عصرنا ما كان عمله؟ 

المهم أن تركّز على ابتلاءك وعلى قصّتك ومغامرتك، وهي ما سيحاسبك الله عليها، ولا تنظر لمن لم يمر بما تمر به فتقنط، فليست المُعطيات واحدة ولا الابتلاء واحد. 

واسأل الله السلامة وأن يعصمك من الفتن، وأن تنجو بمعطياتك.

أعجبك المقال؟ اترك قلبًا صغيرًا
تريد العودة إليه؟ احفظه للقراءة لاحقًا

تعليقات قرّاء وَجْد ٠

كيف تريد أن يظهر تعليقك؟
٠ / ١٠٠٠
جارٍ تحميل التعليقات…