بيت -إن جاز أن نسميه بيتا- متهالك البنيان، يتكون من غرفتين، لو اطلعت عليه لوجدت فيه أربعة أفراد: أم وولد وابنتان. أما الأب فقد عاش بعيدا عنهم مع زوجته الثانية، ومات عنهم وهم بين الابتدائية والإعدادية.
وأما الأم فمصابة بحالة أشبه بالصرع، فهي لا تعيش معنا في عالمنا هذا، بل تقبع في تيه عميق، لا تنطق إلا صراخا متواصلا، تهدأ قليلا لترتاح، ثم تواصل من بعدها الصراخ مرة أخرى.
لو سمعتها وأنت تمر من الشارع المجاور لأصبت بانهيار عصبي، فما بالك بمن يعيش معها في بيت واحد! بل إن شئنا الدقة في غرفة واحدة لأنه ليس بيتا على الحقيقة.
ذهبت الابنتان للعيش مع والديهما فترة في الطفولة، فكانت زوجة أبيهما تسومهما سوء العذاب، وتستعملهما كخادمات في البيوت، حتى إنها أحرقت يد إحداهما ولا زال أثر الحرق باقيا معها حتى يومنا هذا، وعادتا مرة أخرى إلى حضن والدتهما بعد أن توفي عنهما والدهما، يُقال إن الحالة التي أصابت والدتهما كانت بسبب زواجه عليها، لكن هذا أمر غير متأكد من صحته.
وفي بيت الأب عنه غائب أو مات، والأم قد أصابها ما أصابها، سرعان ما تنتشر الشائعات، فمن ولي هاتين الفتاتين؟ خاصة وأن أخاهما أكبر منهما بشيء بسيط، ليتكلم الناس في عرضهما دون وجه حق، ودون مفسدة ظهرت منهما، ولتلحق أمهما بأبيهما بعد صراع مع المرض، لتصبح الفتاتان وأخوهما أمام مصير مجهول، وحياة بلا أب ولا أم.
وماذا عن الشائعات؟ وماذا عن مواجهتها؟ وكيف تواجه؟ ومن أطلقها؟ ولمَ؟ هذه أسئلة لا نعرف جوابها، ولا نعرف كيف تحملت الفتاتان كل هذا الكلام عنهن، والتحذير من مخالطتهن، دون إثم ارتكبنه، ودون بيِّنة أو فعل مشين.
ويُصاب الأخ الذي هو الحامي بعد وفاة الأب والأم بما أُصيبت به والدته، ليصبح موجودا في هذه الحياة بجسده، أما وعيه فلا يدري شيئا عن الحياة فهو فيها أحيانا، وغائب عنها أحايين، ففي لحظة يغيب عن الوعي ليُصاب في حادث، وفي المسجد ينتبه فجأة ويقول أين أنا؟ وكان لا يترك صلاة، وهو دمث الخلق، طيب، مشهود له بالأدب، رغم كل ما يُشاع عنهم، ورغم كل هذه الحياة البائسة، لم يتخلَ عن إيمانه بالله، ثم ساءت حالته أكثر فأكثر، فتعرض له مرة أمين شرطة، فغضب غضبة من غضباته، فلم يدرِ ما يفعل، إلا وهو ممسك بيده يعضها، فأخذه على القسم، وطال الأمر، وأقسم على الانتقام منه، وعلمت الفتاتان بما حدث، فذهبتا تترجيانه وتحكيان له عن حاله، فأبى أن يتنازل عن حقه وأبى إلا أن يُسجن، ولم يتعاطف معهم، ولا مع كونهما فتاتين بلا عائل لهما ولا رفيق يهون عليهما في هذه الحياة، وذهب الشاب إلى السجن ومن السجن إلى المصحة مراعاة لحالته النفسية، ليجلس فيها مدة وأخواته بلا عائل.
وتصبح الفتاة الكبرى اليتيمة هي العائلة، ولم يزدها كل هذا الكم من البلائات إلا إيمانا، فتحافظ على فرائضها، والتزامها في هذا المجتمع الذي لم يتركهم في حالهم، والذي لا يكف عن أذاهم والكلام في عِرضهم، ليذهب جار لها في مرة ويطرق عليها الباب فتفتح له، فيعرض عليها عرضا وقحا مقابل المال، والأدهى أنه شيخ ربما تجاوز السبعين، وفوق ذلك فهو كفيف، وقد كذب الناس الكذبة وصدقوها، وتصرفوا بناء عليها، فما كان منها إلا أن أغلقت الباب في وجهه.
ولما سألتها من سمعت منها لماذا لم تقومي بفضحه، وتشتكيه لأولاده، قالت: ومن سيصدقني؟
وتنتظر أول طارق يطرق بابها لتوافق عليه للخلاص من كلام الناس، وقد كان يراها الجميلات، فلا يعدونها إلا جميلة منهن، ويقولون لو كانت في عائلة لجلست جلسة المغرور، تختار من تشاء وقتما تشاء، ولكنه الفقر والحاجة، فلا تجد إلا نطعا، هي تدري تماما أنه نطع، ولكن ظل نطع ولا ظل حيطة، وتتزوج منه وتنجب فتاتين، وتسير على نهجها أختها الصغرى فتتزوج بآخر، هذا الآخر أتى لها بعد الزفاف فخلع من يديها شبكتها وقال لها "مش اتصورتي بها في الفرح خلاص؟ هاتيها بقى أبيعها" وقام ببيع الشبكة التي اشتراها لها في صباحية يوم الفرح! ومن لها؟ ومن يدافع عنها؟! لا أحد!
وتذهب الفتاة الصغرى لأختها، فتجد في يدها دبلة فتأخذها لتلبسها، وتنساها الفتاة في يدها، وتعود إلى بيت الزوجية، ليراها الزوج، فيخلع الدبلة من يدها ويأخذها ويبيعها!
ثم لم ينتهِ الأمر عند ذلك فقد جاءت له فرصة سفر، فلم يجد أمامه فرصة لشخص يستحل ماله سوى هذه الفتاة اليتيمة التي تجمع القرش على القرش، ليطلب منها خاتمها، مقابل أن يرد قيمته إليها بعد السفر، ولكن لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين، فجاء بمحام كتب لها شيكا بضعف سعر الخاتم، وقد أصبح بعد ذلك بخمسة أضعاف سعره، ولكن في كل الحالات هذا لا يهم، لأنه باع الخاتم وسافر ومرت سنوات، وطلبت منه المال ولم يدفع ولن يدفع، ولا حياة لمن تنادي.
وتعود الفتاة الكبرى لبيتها الصغير مرة أخرى، ولكن هذه المرة مع ابنتيها، فزوجها لا ينفق، وإن أنفق فماله من حرام لا ترضى بأخذه منه، وهي معلقة فلا هي متزوجة ولا هي مطلقة، ولكن ترى في هذه الحالة رحمة من كلام الناس لأنها لا تزال على ذمته ويذهب ليجلس معها في بيتها الصغير أحيانا، أما أختها الصغيرة فقد سافر زوجها بعد أن استولى على كل شيء، ورجعت هي أيضا للبيت، وخرج الأخ من المصحة، ليعود البيت كما كان على صورته الأولى.
ويتعرض البيت للحريق، وكان مما قال الناس إن هؤلاء حرقوا بيتهم بأيديهم، أتدري لماذا؟ لأنهم يريدون أن يجمعوا الأموال! هذا تعاطف الناس مع هؤلاء!
ودائما ما يظن الناس أن الفقراء أثرياء من الصدقات، لكنهم يتصنعون الفقر لطلب الزيادة، وهذا نوع فريد من الإجرام لن ترى له مثيلا أبدا في الناس لتبرير أفعالهم.
رُغم كل ما تقدم، فالأخ محافظ على صلواته، لم يفقد إيمانه بالله، ولم يفقد دماثة خلقه، أما الفتاة الكبرى فانتقبت، وهي محافظة على صلاتها وأخلاقها، بل وتورث ذلك لبناتها فتحفظهن القرآن وتعلمهن الأخلاق، ولم تفقد إيمانها بالله، رُغم كل ما مرت به، ولم تتهم ربها يوما كما يفعل من هو أقل منها بلاء، بل قد يسأل الإنسان أسئلة وجودية لمجرد تعليق سلبي له هنا على مواقع التواصل، فما بالك بمن اتهمت في عرضها زورا وبهتانا، هذه الفتاة الصابرة صاحبة تعليم متوسط وحياة قاسية، لم يذهب عقلها يوما لاتهام الله أو الجزع على أقداره، وربما لم تجلس يوما في درس عقيدة ليفرّق لها بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وأن ليس كل ما يُراد كونا يُراد شرعا، وأن ما يحدث لها وإن تحقق كونا، فهو لا يُرضي الله شرعا، فالله لا يرضى بالظلم، ولا بالاتهام بالباطل، ولكنها أدركت ذلك برحمة الله لها، وقد كان عقلها أكبر بكثير ممن تعلموا في الجامعات، فلم تنقم يوما على الله، وإنما كانت نقمتها على من تعرَّض لها ولم تُسء لهم يوما.
هذه قصة فتاة مؤمنة مغمورة أرجو من الله أن يثبتها على الخير وأن يختم لها بالصالحات، وأن يجعلها من أهل الفردوس لصبرها،فقد صبرت على نكد العيش، ولم تكتب على مواقع التواصل قصتها، ولا تعلم شيئا عن رفاهية الحياة، ربما ستعيش وتموت في بيت من غرفتين، وسط اتهامات واحتقار من الناس، لكن رُغم كل ذلك لم تنظر إلى السماء يوما وتقول لمَ يا رب؟!
بل إن رفعت عينها إلى السماء يوما فلا ترفعها إلا حامدة شاكرة، وغيرها لا يكففن عن الاعتراض على أوامر الله لأجل أمور سطحية لا تصمد أمام حدث واحد من أحداث حياة هذه الفتاة رغم تعليمهن العالي، وادعائهن العلم والذكاء، بل والثقافة الشرعية أحيانا.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.