-في مسرحية لأحمد أمين ظهر له جنّي يخيّره في أمر الزواج بعد أن كان مُعرضا.. فهو يقدّم له ميزة بأنه يستطيع أن يضغط على بطّة تُرجعه إلى قبل الزواج وينسى الطرف الذي تزوجه ما حدث وكأن شيئا لم يكن، لكن له ثلاثة محاولات فقط، وفي الأخيرة يتحوّل إلى غير صورته التي هو عليها (يُمسخ)، وافق على الشرط الذي بينهما.

كان أحمد معجبا بثلاثة، تزوج الأولى وسرعان ما امتعض من أفعالها، ثم أنت كمشاهد تمتعض أيضا من أفعالها فما لبث أن ملّها وتركها، ثم الثانية ما لبثت أن لحقتها، لكن الثالثة أعجبته، وقرر التخلص من البطة، إنها لم تعد ذات أهمية، لكن الطريف أن الفتاة هي من قررت أن تستغني عنه، لأنها رأت أنه سيء الطباع، هو يريد أن يفعل ما يحلو له أما هي فتابع لأفعاله ومزاجه، هي تتحمل طباعه أما هو فلا، فقررت أن تتخلص منه، لم يكن يعلم أنها هي أيضا تمتلك نفس ميزته، إذ إن هذه الميزة له فقط، لقد كانت تمتلك بطة هي الأخرى، فلما علم ظل يعتذر منها، وأنه سيتغير ويحتاج إلى فرصة، فتقول له: المشكلة أنك ترى العيب في الناس، ترى المشاكل دائما في الطرف الآخر، تريد شخصا مثاليا، لكن الحقيقة أنك أنت نفسك لست مثاليا، فَلِمَ تنشُد في غيرك ما ليس عندك؟! ليست هناك علاقة في الدنيا بدون مشاكل، لا يوجد إنسان كامل، حتى أنت نفسك ناقص.
كانت هذه الرسالة التي ربما لم أنتبه لها لو لم يخبرنا بها المؤلف بصورة تقريرية في نهاية المسرحية، فقد كنت متعاطفا مع بطلنا الذي يريد شريكا مثاليا.. شريكا يضحّي هو من أجله ببعض طباعه، لكن هو لا يضحّي بشيء.. لكن ما لم أكن أدركه أنه هو نفسه ليس مثاليا..
في قصة سيدنا موسى -عليه السلام- عندما استغاث به الرجل الذي من شيعته على الذي من عدوّه.. فما كان من سيدنا موسى إلا أن وكز عدوّه فمات..
ثم ما لبث أن استغاث به الذي استنصره بالأمس.. نعم هناك شجار آخر يَطلب من سيدنا موسى مساعدته.. كنتُ في درس لأحد الأصدقاء وقتها وأنا في المرحلة الإعدادية، فعندما وصل لقوله تعالى " فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ۚ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ" قال أن سيدنا موسى قالها للذي من شيعته.
لا أدري ما الذي جعلني كطفل في الإعدادية أن أفسّر في عقلي أن قوله إنك لغوي مبين على أنها للذي من عدوّه مرة أخرى! فهو يدافع عن الذي من شيعته دائما.. خاصة وأن الآية التي تليها "فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ" إذا هو سيضرب من كان عدوّا لهما.. فالاتهام بالغواية لعدوهما.. لكن علمت وقتها أنه إنما قال إنك لغوي مبين للذي من شيعته.. وعلل ذلك الصديق وقتها بأن الرجل تشاجر مرة فدفع عنه، فلما رآه يتشاجر مرة أخرى علم من أمره أنه إنما هذا ديدنه، لذلك قال له إنك لغوي مبين..
وأنا وإن كنت صغيرا وقتها، إلا أن عقلك يفرض عليك تفسيرا بينك وبين نفسك، فيأبى أن تمر على آية ظاهرة مرور لفظ دون معنى، فكان المعنى المتبادر للذهن هو ما ذكرته، وإن لم يكن صحيحا، ولكنّي ركنت إليه دون دراية مني، وعندما كانت تمر الآية عليّ كنت أذكر هذا المعنى كل مرة، فكان ذكر صاحبي لمعنى مخالفا لما عرفته صدمة دعتني للتركيز في المعنى الجديد، وأزعم أن كل نفس بشرية لا تسطيع أن تمر على لفظ دون أن تُضفي عليه معنى وإن لم تكن مدركة لذلك، فهو معنى قهري يحضرك عند القراءة، تصححه بعد ذلك..
" إنك أيها المستصرخ لغويّ: يقول: إنك لذو غواية مبين. يقول: قد تبينت غوايتك بقتالك أمس رجلا واليوم آخر." تفسير الطبري
هذا وقد رآه سيدنا موسى عليه السلام يتشاجر مرتين، فما ظنّك بمن ديدنه التشاجر ثم هو يتهم الناس والأخلاق والدنيا ولا يفكّر مرة أن يتوقف مع نفسه ليتهمها..
وبالرغم من أن المستنصر به من بني إسرائيل والثاني فرعوني من أعداء سيدنا موسى إلا أن ذلك لم يمنع سيدنا موسى من أن يبيّن له أنه غوي بَيِّن الغواية وإن كان من شيعته..
إننا دائما ما نلوم غيرنا أكثر مما نلوم أنفسنا، لأننا نرى عيوب غيرنا أكثر مما نرى عيوبنا، نرى أنفسنا كلنا الأبرياء الأوفياء، مشكلتنا أننا كلنا طيبون، أما الآخر فهو الشرير، الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة، لا مشكلة أن ترى ذلك، أن تكون هي الحقيقة، وهي قول نبينا -صلى الله عليه وسلم- لكن المشكلة تكمن في أن ترى نفسك أنك أنت الراحلة دائما، أن كل من حولك هم الإبل، لا يصفو لك أحد، كلهم شياطين، أما أنا فأنا الملاك البريء، أنا الذي لا أصيب أي خطأ أو يعتريني نقص، كل موقف أمرّ به الطرف الآخر هو المخطئ..أن تتخذ هذا مطيّة لتبرير كل من تخطئ في حقهم..
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.