يخدعونك، يقولون فقط اذهب إلى بيتها وانظر إليها، فإن أعجبتك كان بها، وإن لم تعجبك فالأمر لك.
يخدعونك، وكان بإمكانهم إرسال صورة إليك، فقط لتنظر إليها، فإن أعجبتك أقدمت، وإن لم تعجبك أغلقت الباب قبل أن يُفتح.
إن من يفعل يستغل ضعفك، يعلم أنك إن جلست فلن تتراجع، فإما أنه يستغل حرجك، ويعلم جيّدا في قرارة نفسه أن أول بيت تدخله لن تخرج منه، إما لأنك مُحرج أو لأنك محروم عاطفيا، فمع أول أنثى تقول لك: ازيك.. ستتنازل عن متطلباتك.
أذكر أنني ذات مرّة كنت في محطّة القطار أنتظره، وكنت وقتها مقاطعا للهواتف، فكنت أنتظر قطار العودة بعد أن انتهيت من مهمتي، ولا أعلم في أي ساعة من ساعات النهار نحن، وهل اقترب وقت القطار أم لا، في أي وقت نحن؟ ليس هناك طريقة إلا أن أنظر إلى ظلّي فإن كان مثلي فقد اقترب وقت الظهر.. لكن تأتي النجدة رجل يقف في محطة القطار وفي يده ساعة..
سألته كم الساعة، فأخبرني هكذا بكل بساطة...
ووقفت أفكّر طيلة الوقت.. كيف أكافئ هذا الرجل الذي أخبرني كم الساعة؟ هل أعطيه كل النقود الذي في جيبي عرفانا بجميله؟ أم أشتري له شكولاتة من السوبر ماركت؟ أم أكتب له ثروتي؟ أم أن هذا شيء قليل عليه!
كيف أكافئه! لا أدري، آمل أن يكون من ركّاب القطار ولا يجد مكانا وأنا جالس فأعطيه مكاني!
ربما أنت تنظر للموقف أن شخصا سأل كم الساعة وآخر أخبره وانتهى الأمر.
لكنّي أنظر إلى التيه الذي كنت فيه، والوقت الذي لا أستطيع توقعه، والقطار الذي لا أدري هل مضى أم سيأتي، كل هذا القلق والانتظار، قضى عليه رجل لا يعرفني ولا أعرفه، كيف قام بهذه التضحية الكبيرة والجميل الذي سيظل في جبيني طوال عمري بكل هذه البساطة؟
هذه نظرتي في العادة إلى غالب الأمور، أقيسها بقدر حاجتي إليها لا بقيمتها الذاتية التي تحملها، لو أنني كنت في مهمة مرهقة، وأشعر بالعطش الشديد، ثم مررت على سوبر ماركت لأطلب زجاجة ماء، لو قال أن ثمنها يقابل كل ما أملكه لما دهشت بذلك، وإنما أُدهش عندما يطلب خمسة جنيهات فقط ثمنها، يا رجل ألا ترى ما أنا فيه؟ تريد أن تحمّلني جميلة في جبيني، أم أنك زاهد في بضاعتك، وتبيعها للمحتاج وغيره بنفس الثمن!
لكن أشعر بالجميل تجاه صاحب السوبر ماركت، وأشعر أيضا بالانتصار بأنني أحرزت شيئا ثمينا بهذا الثمن البخس.
عندما يعطيني صاحب السوبر ماركت (بنبوني) هدية مع بضائع قمت بشرائها، أقدّر هذا للرجل، لابد أن هذا يعرفني جيّدا ولي معزّة عنده لذلك أهداني (البنبوني)، لا تخبرني أنه أعطاني (البنبوني) لأنه لا يملك عملات معدنية، كان بإمكانه ألا يعطيني العملات المعدنية من البداية إن لم توجد، العملات المعدنية المتبقية إن أعطاها لي أصلا أشعر أن هذا محض تفضّل منه، فإن أعطاها لي فصاحب فضل، وإن امتنع فحقّه الكامل، لكن عندما انقطع أمامه سبيل العملات المعدنية، لماذا انصرف ذهنه للبنبوني بالذات؟ لا تحاول إخباري أن الأمر صدفة، بالتأكيد هو يحمل لي معزّة في قلبه...
هذا الكاشير إن لاحظني عدّة مرات أتردد على المكان فحفظني، وفقط إن رآني ابتسم، أشعر بالراحة النفسية، هذا المكان لن أغيّره بقيّة حياتي، هذا لمجرد ابتسامته لي، فما بالك إن قال لي: ازيّك.
بل هناك مطعم أشعر بالراحة في الذهاب إليه، لمجرد أنه يقف على الباب فتى يقول لي "مع السلامة"، هذا الشخص يعطيني شعورا بالأمان بأنني لم أرتكب أي شيء آثما، وأنني خارج من المطعم وهم راضون عني تماما.
الشاهد بعد كل هذا أنك بين أمرين لا ثالث لهما، أن تشعر بالجميل الكبير والمشاعر المتضخمة لمجرّد أن إحداهن قالت لك ازيك.. عامل إيه... في رؤية شرعية، وأنت لم تسمعها من قبل من أي فتاة، فأنت وقتها لم تختر اختيارا رشيدا، ولو رأيتها قبل أن تعاملك ربما أحجمت.
أو أن يغلبك حياؤك، فربما هي لا تعجبك تماما، لكن تستحيي وتكره أن تكسر بخاطرها، فتتزوجها، وعندما يسألك أطفالك لماذا تزوجّت ماما يا بابا تقول لهم: اتحرجت، زي ما خدت (البنبوني) تماما من الراجل بتاع السوبر ماركت، وزي لما مطلبتش الفكّة اللي باقية، لكن المرة دي طلبت إيد ماما، موقف كبير على الإحراج شوية، لكن الإحراج لا دين له، كل المواقف أمامه سيّان...
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.