في إحدى المرّات التي كنت أبحث فيها عن سكن تواصل معي صديق وقال: عندي لك سكن مع بعض الإخوة. فقلت له: جزاكم الله خيرا، لا أريده. وبعد بضعة رسائل بخصوص الأمر قلت له: هذا النوع من السكن يزيد عندي النفاق والرياء وأمراض القلوب جميعها، كل شيء يزداد فيه إلا الطاعة، ولا أفعلها حين أفعلها ألا لأعينهم المسلطة عليّ وخشية ظنونهم، ولأن أسْكُن في سكن متعاطي المخدرات والمدمنين فأقوم للطاعة من تلقاء نفسي خير لي من أن أسكن مع قوم أشعر في قرارة نفسي أنني لم أفعل ما فعلت إلا لأجلهم.
لكنهم يعينونك على الطاعة؟
أحبو بمفردي، ثم أقف فأقع وهكذا إلى أن أمشي، خير لي من جري هو في الحقيقة على treadmill أو على كرسي متحرك، وهرولة أقرب إلى النار منها إلى الجنة.
الشيطان أقرب للواحد من الاثنين ومن الاثنين للجمع.
أنت محق، سأجالسهم في المسجد بإرادتي، وأجاورهم في السكن، وأذهب إليهم في مواعدهم وألتزمها دون أن تسلّط أعينهم علي، أما في السكن فالأمر مختلف تمام الاختلاف، وحتى إن لم يتحدثوا بألسنتهم فإن عيونهم تلمزك، حتى وإن كنت أظلمهم، فهذه ظنوني التي أتصرف بناء عليها والتي سأحاسب عليها، دعني أفعل طاعتي من تلقاء نفسي، هذا إن كان الأمر كذلك أصلا.
كنت أفكّر هل يمكن أن يفعل الإنسان الطاعة بمفرده تماما ثم هي تكون رياء للناس؟ أي شخص سيجيبك بأن هذه حالة وسواس قهري متقدم، وهو ذاك بلا شك، فأنت تقرأ الآن لموسوس بعض الشيء، أقول لك هذا لتحتاط، لكن يبدو أن أحد الأئمة كان مصابا بالـ OCD قبل أن يُسمّى بهذا الاسم، ولا أذكر هذه المقالة لمن من السلف، لكن معناها أن الإنسان يمكنه أن يعمل عملا في السر ويكون رياء، كيف؟ إذا كان يأخذ في اعتباره أنه سيحدّث الناس به في الغد.
لكن ربما أكون أكثر ذكاء فلا أحدّث الناس وإنما أدفعهم دفعا لسؤالي، أو ربما أعمل العمل وأنا أدرك في قرارة نفسي أن اليوم الذي سأكشفه فيه قادم ولا شك، أو ربما ما أكتبه في مذكرتي الخاصة أنتظر اليوم الذي أموت فيه فيصلون إليه فأُمدح بعد أن أموت، هذا تخطيط لبعد الموت، هل هذا وسواس؟ لا أدري، ربما تكون حقيقة، ربما هذا المنشور أصلا يحاول أن يوصل لك أنني شخص مصاب بالوسواس وأنني عندي عبادة لأخفيها فيزداد ظنّك الحسن في؟ وربما هذه المقالة الأخيرة ذكرتها لتظن أن ظنّك ..... إلخ لن ننتهي مللت.
تعرف سأخبرك بأمر، لكن أرجو أن يظل بيننا، إن حدّثت به أحدا سأشعر بالخجل صدقني، فهل يرضيك؟ عندما كنت أطلب "ساندويتشا" من أمي - حفظها الله- كانت تشترط شرطا، إن طلبت شيئا تأكله، وإلا فهذا دلع! وحرام أن تُرمى النعمة. وعقاب ترك "الساندويتش" في بيتنا عظيم لو تعلم، وربما في مرة عوقبت (بالمقشة البلح) وإن كنت لا تعرفها فإن النخلة بعد أن تطرح البلح يُجمع هذا البلح فيأخذون هذه السباطة التي كانت تحمله، لتصبح مقشة على هيئتها هذه، ثم ماذا؟ ثم تستخدمها الأمهات الكنس وفي الضرب بالطبع كعمل ثانوي، وعندما تُضرب بهذه المقشة فإن لها فروعا شتّى، فيحدث شيء أقرب للـ force distribution حيث تتوزع الآلام على الجسد ولا تجتمع في مكان واحد، وبالطبع هذه من رحمة الأمهات بأبنائهم، أين كنّا؟ الرياء نعم.
بعد ذلك كبرت وخرجت من البيت، فكنت أخاف أن لا أكمل ساندويتشا، بل عندما كنت أذهب لبيت أختي ولا أستطيع إكمال الساندوتش الثاني مثلا وأكتفي بنصفه.. أخاف، فيقول لي أولادها ساخرين: لا تخف يا خالو أنت في بيتنا، هنا يمكنك أن تلقي ولا تخف! وبكل توجّس وإعادة تفكير أُلقي الساندوتش من يدي، معقول سيُرمى لن نأكله؟ لن أُعاقب لتركي له؟ أو لأنني طلبته دلعا؟ هنا رمي النعمة ليس حراما كما عندنا؟ وكل مرة أحتاج إلى مئات التأكيدات بأنني لم أرتكب جريمة شنعاء.
الآن كبرت يا أمي، وأسكن بمفردي، قائم بذاتي، أنفق على نفسي، لكن لو تعلمي أنني أخاف، نعم والله أخاف، أخاف أن ألقي بقايا الطعام بالذات الساندوتش، أخاف أن أقوم بعمل ساندوتش ولا أكمله، إن لم أكن جائعا فلماذا قمت بعمله يا أمي، مع أنني بمفردي تماما، لا يراني أحد، ولن يعاقبني أحد، وأسأل نفسي هل أنا لا أفعل ذلك لأن إلقاء النعمة حرام، أم لأنني ما زلت خائف منك يا أمي، لأنك في خيالي، فأنا أفعل ذلك لأجلك وإن لم تكوني معي، وعموما الأمر في حقك هيّن يا أمي، فهي أمور دنيوية لا تهم.
كل ما أخشاه يا أمي أن تكون عبادتي التي أفعلها لأنني أخشى أصدقائي الصالحين، أخشاهم وإن كنت أعلم يقينا أنهم لا يرونني، وإن كنت أعلم يقينا أنهم لا يعلمون الغيب، ربما تظهر سمة على وجهي، أو تضيعني فلتات لساني، هذه الأمور من الله نعم، فهو من سيجريها على لساني ليعلموا حالي، ولكني يبدو أنني أفعلها حتى لا يجريها على لساني، أخشى يا أمي أن يُقال: فعلتَ ليُقال، وقد قيل.
حتى وإن كانت وسوسة يا أمي، فهو اختبار لمرة واحدة، وموت بلا عودة، فماذا لو اطمئننت ولم أوسوس، ثم وجدت أنني أول من تسعّر بهم النار؟! أنا خائف يا أمي، ويا ليت أكبر مخاوفي كانت إلقاء الساندوتش.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.