الوَجْد هو الهم الناقع

استكشف وَجْد

روابط وَجْد

وَجْدالوَجْد هو الهم الناقع
ابحث في كتابات وَجْد اكتب ثلاث حروف على الأقل للبحث في العناوين والنصوص والتصنيفات.

عن المرأة: بين إثبات الذات واستنزاف الطاقات

في جلسة مع صديق لي تطرق للحديث عن المرأة، وهو أمر شائع في كل جلسة بين الشباب، لو لم يكن هناك امرأة على كوكب الأرض، لكان يمثّل حال الشباب ميم "محتوااااي"، سأل صديقي سؤالا جدليا لا قيمة من طرحة ولا من الرد عليه، لذلك سأطرحه عليكم وسوف أرد عليه، لماذا؟ ليس لديّ فكرة في الحقيقة، لكن أي منشور يحمل اسم المرأة هو منشور جدلي يجذب العديد من الناس، لذلك يُقال أنهم وجدوا محفورا على معابد الفراعنة: إذا أردت أن ينظر الناس إلى جداراياتك فهاجم المرأة أو كن معها، بعبارة أوضح "الاتنين بيجيبوا ريتش"...

لذلك ستجد مثلا رضوى الشربيني وياسمين عز، التريند والتريند المضاد، لا يهم في أي جانب ستكون، نصيرا للمرأة أو مهاجما لها، لا يهم أن تكون مؤمنا بما تقول، أو أن يكون لديك رسالة، أو حتى أن تكون محمّلا بأجندة، مَهْمَا كُنْتَ سفيها، لا تحمل أي معرفة، لكن كلامك سيجد رواجا...

كان السؤال: ماذا ستفعل إذا قالت لك زوجتك أنها تريد العمل؟

قلت لصديقي لا مشكلة لدّي في الأمر، سآتي لها بوظيفة براتب مُجزي، ومعلوم أن رواتب النساء في سوق العمل مجزية، لدرجة أن أي شخص يفتح مجالا للتوظيف يقول: "نجيب بنات علشان البنات رخيصة"، وإن كنت أكره إطلاق هذا الوصف عليهن، لكن المقصد معلوم أنهن رخيصات من ناحية الأجور، وبما أن النساء أجورهن عالية ومجزية، فلا مشكلة، يمكنها أن تُجري مجموعة من الانترفيوهات في أماكن مختلفة وتنظر ما الراتب المحدد لها، وسأعطيها أنا هذا الراتب مقابل أن تعمل مثلا خدامة في البيت، بالتالي هو عمل، وليس عيبا، ولها عليه أجر العمل الذي كانت تبحث عنه، يعني لن أعطيها متوسط الرواتب في مجال الخدَّامات مع أن هذا إحقاقا للحق،  ولكن سأعطيها من متوسط الرواتب في العمل الذي بحثت عنه هي، إنه عرض مغري لا يمكن لها أن ترفضه...

نحتاج لأمر بسيط، أن نفصل بين وقتين، الوقت الذي ستكون فيه زوجتي، والوقت الذي ستصبح فيه شغّالة أو خدامة أو أيا كان، إن كان الدوام ثمان ساعات مثلا من التاسعة صباحا إلى الخامسة مساء فهذا الوقت وقت عمل، ربما نصنع لها بابا مختلفا، بحيث تدخل وتخرج منه غير باب الشقة، ستخرج من باب الشقة في الثامنة وخمس وخمسون دقيقة وتدخل من باب الخدامات في التاسعة تماما...

- يسمع الأطفال صوت الباب: بابا بابا، الشغّالة جت.
= عيب يا حبايبي، اسمها: "الست اللي بتساعد ماما في أعمال البيت".
- بس الشغالة أقصر وأسرع.
= معلش يا ولاد لكن نحن في زمن الصوابية السياسية، مينفعش نقول لحد الوصف دا.
- ماشي يا بابا...

تنتهي الشغالة من العمل في الخامسة مساء لتترك المكان، وتعود زوجتي الحبيبة بالقرب من الخامسة والنصف مساء، منهكة تماما تشكو العمل، تقول لي أن هناك أطفال مجانين يأكلون عقلها طول الدوام، أقول لها الله يكون في عونك يا حبيبتي، العمل أمر مرهق حقّا، تسأل على الأطفال، تداعبهم، ثم تسألهم مازحة أخبار الشغالة التي ترعاكم في وقت غيابي إيه يا ولاد؟ كويسة معاكم وبتعمل لكم اللي أنتم عايزينه، يقول الأطفال أنها جيّدة ومساعدة جدا، وتساعدهم أكثر منها هي شخصيا، ربما تجلس معهم أكثر من الأم، لا سيما وأن الأم ترجع من العمل ليلا، فلا تراهم إلا سويعات وتذهب إلى النوم، أما الشغالة فتأتي في الوقت الحيوي في النهار، تجلس معهم وتؤدي كل ما يريدونه، يتخلل إلى قلب الأم بعض الغيرة من كلام الأطفال عن الشغالة، يبدو أن الأطفال يميلون إلى الخادمة أو الشغالة أو البيبي سيتر أكثر منها...

تسألهم بخبث.. أخبار بابا مع الشغالة إيه وأنا مش موجودة يا أولاد؟

بابا! عادي، بيتعامل عادي تماما، بس بيطلب شاي كتير....

سيحدث بالطبع بعض المشاكل بيننا نتيجة العمل، أولا سيحدث للأطفال انفصام، لأن عقلهم لن يدرك جيّدا الفصل الذي أجريناه بين كونها زوجه وكونها شغالة أو بأسلوب أكثر تهذيبا "الست اللي بتيجي تساعد ماما في أعمال البيت"... خاصة وإن كانت من تساعد ماما هي ماما نفسها!

من سيتحمل تكلفة علاج الأطفال من الفصام وذهابهم إلى طبيب نفسي؟ هل سيُدفع هذا من راتبي أم من راتب زوجتي الحبيبة؟

كان صديقي يضحك -طبعا لم أرد عليه بكل هذه التفاصيل، بل حدّثته بفكرة إجمالية- لكن بعد هذا الكلام كان يظن أنني أخرق... ربما أنا كذلك فعلا، ولكن لم الظن؟


مناقشة جادة

ما الذي يدفع المرأة للعمل؟ هذا أصل السؤال..
-وإن كان الأصل أن تقصد بيتوتية من البداية، لكن كما قلنا هو سؤال جدلي- سأتحدث معها بهذا الشأن، ما الذي يدفعك يا عزيزتي للبحث عن عمل؟ في هذا السياق عدّة عوامل نتحدث بشأنها:

١- البيت يحتاج إلى المال وأنت لا تملك ما تنفقه عليه؟
في هذه الحالة لا أستطيع أن أتحدث معها أو أن أجادلها، ستكون قد كسرت عيني وانتهى الأمر، فأنا رجل عليّ الإنفاق وقوام البيت الذي هو أصل عملي، بل هو عملي كلّه، فكيف يمكنني وقتها أن أمنعها من العمل؟ بل ربما أطلب أنا نفسي منها ذلك...
هناك كثير من الناس يطلبون من زوجاتهم أن يعملوا، والظروف الاقتصادية في البلد الآن صعبة، بل من أشد ما يكون، فلا يمكنني أن ألوم أحدا على ذلك، بل أجد من أصدقائي من يريد أن يتزوج من امرأة عاملة، لكي تساعده على تحمّل صعاب الحياة...
والله أسأل أن يخفف عن الناس ما هم فيه، وأن يشق على من شق على هذه الأمة، ولكن أنا لست واحدا من هؤلاء، ربما أقول ذلك لأنني أقف على الساحل، ولا أعلم ما في البحر، ولكن هو تفضيل شخصي ولا أطعن فيمن يفعل بضد ذلك، لكل امرئ تفضيلاته... وأنا إن كنت لا أستطيع النفقة فبلاها زواج من البداية..

ولكن عندما طرح صديقي أمر أن يبحث عن امرأة تساعده في مصاريف البيت -وهذا على الضد تماما بخصوص من تزوج ثم حدث له حادث في الماديات- قلت له يا صديقي أنا في هذه المسألة داعم للمرأة، أقف في صف النسوية لا الذكورية -كداب والله- أنت إما أن تطلب زوجة وإما أن تطلب موظفة، لا يمكن أن يجتمع في المرأة كل ما تريده، خاصة إن كنت أنت من تطلب ذلك...
بمعنى؟
إذا خرجت المرأة إلى العمل وهي راغبة فيه، فربما تتكلف أن تكون زوجة وموظفة وهذا حمل كبير عليها، لكن لكي تثبت نفسها وبعض هذا الشعارات الحمضانة...
أما أنت إذا أخرجتها من البيت أصالة لتشاركك في المصاريف، فلها الحق أن ترجع منهكة من العمل، لا قدرة لها على الاهتمام بالأطفال، لا حق لك أن تطلب منها أن تتبعل لك، في أي شيء ستركز؟ هل تعرف ما الفرق بين الإنسان والحيوان؟ أن الحيوان عنده القدرة على الـ multitasking أما الإنسان فلا، الإنسان يتطلب فراغا ليكون له قدرة على الإبداع، أما الحيوان لا يُبدع، لذلك تجد الحيوان يقوم على أطفاله، ويحرس بيضاته ويصطاد ويفعل المستحيلات، كل هذا في آن واحد، أما الإنسان فيقوم بمهمة واحدة، ثم يجلس في الفراغ متأملا، وبذلك يكون أديبا، وفيلسوفا، ويكتشف الغامض والمثير، ويستنتج بالعقل الكثير، أما الحيوان فليس له إلا الـ multitasking..

أنا يا صديقي عندما اقوم بتغيير وش المخدة، فقط وش المخدة، أشعر بأنني لا قدرة لي على إتمام أي مهمة أخرى بقيّة اليوم، وكما يطلقون على جيلنا الجميل "جيل المريوحين" فهذا الوصف حقيقي، تريد مني أن أطلب من أنثى أن تغيّر وش المخدة والملاية وتغسل الملابس وتكويها وتربي الأطفال وترضعهم، وتكنس البيت، ومع هذا تعمل ما يقرب من ثماني ساعات في اليوم، ثم بعد كل ذلك تريد منها أن تتبعل، أن تقول لك أنا أحبّك، يا رجل حتى صوتها لن يخرج من حنجرتها، يا رجل لو كان سبايدر مان هو من يقوم بهذه المهام بخيوط العنكبوت لنفدت خيوط العنكبوت قبل أن تنتهي هذه المهمات، أنا كرجل لا طاقة لي على ذلك، فإن كنت لا أرضى لنفسي ذلك، فأنا لا أرتضيه لفتاة.. فإن أعطيتها وظيفة، فهي موظفة ويكفيها إنهاكها في الخارج، لن أطلب منها أكثر من ذلك، سأتعامل معها على أنها موظفة، سأراعي ذلك تماما، ربما تتحول إلى زوجة في أيام الإجازات، وستكون هذه منّة منها بالطبع...
فاختر أنت، موظفة مُتْعَبَة أو زوجة.. ولا تطلب من إحداهن أن تجمع بين الاثنين وتُثقل كاهلها بذلك، فإن الإنسان ذو طاقة محدودة...

ثم هب أنني شخص انطوائي أو يشكو رهابا اجتماعيا أو لا يُحب الاختلاط بالناس، فاختار لنفسه عملا حرّا يعمله من منزله، أمن العقل وقتها أن أعمل أنا من البيت وأجلس فيه ثم أكون في انتظار زوجتي للعودة من العمل! كأنّ الآية قد انقلبت.
ألم تكن هذه شكوى النساء الدائمة؟ ألم يشتكي النساء خروج الرجال طوال اليوم، مع أنه لولا خروجه لما قام للبيت قائمة، فخروجه ضروري، وإلا فلا رغبة لرجل للعمل ثماني ساعات، ولا رغبة لرجل كائن من كان في الاختلاط بوجوه مكفهرّة وبعصافير وثعابين في العمل، ولو كان يملك مالا يكفيه ما خرج، فخروجه للحاجة ولولاها لأراح باله، فهو لا يشغل باله باثبات النفس وهذه الشعارات التي يضحكون بها على الفتايات، ورغم خروجه الضروري تشكو المرأة عدم وجوده؟ ثم ماذا؟ إن جلس من أين سيأكل البيت؟ فالخروج والسفر وغيره لم يكن تقصيرا بقدر أن البيت يحتاج إلى الطعام وإلى الأمن، وكان الطعام مقدّما على الأمن فخرج لأجله...
أما عندما تخرج المرأة لاثبات نفسها، أو لتأمين نفسها إن طُلقت أو أي شيء من هذه الأمور، فما الحاجة الضرورية الملحّة لذلك؟ وما الذي يجعل زوجها وأولادها في انتظارها كل يوم للعودة لأجل أن تُثبت نفسها وتشتري skin care؟
هنا انقلبت الآية، رغم أن الأولى ضرورة وفيها شكوى، والثانية رفاهية وتسافه...

٢- لم أتعلم لخمس وعشرين سنة لكي أجلس في البيت...
هذا أيضا مما يستبله به الخطاب الرأسمالي عقول النساء، وكأن العلم لا يكون له فائدة إلا إذا كان له عائد مادي أو وظيفة
هناك فيديو عن البرمجة، لا علاقة له بما نتكلم فيه الآن، لكن كانت هناك أطروحة دائما يطرحها البعض أنه لا فائدة من الأساسيات في البرمجة، لماذا؟ لأنك إن تعلمت الـtechnology مباشرة ستعمل في البرمجة وتجني المال.. هذا يمكن أن يتحقق في فترة من أربعة شهور إلى ستة أشهر... أما الأساسيات فستتعلمها في سنتين ولن تعمل بعدها! ولن تجني المال بعدها!
الأمر يتعلق بالـtechnology فإذهب إليها مباشرة وتعلّمها...

فكان الرد كالتالي:
من قبح الرأسمالية، أن أحيانا كثيرة يربط الناس بين العلم والأثر المباشر خاصة المادي، أنا تعلمت كذا فسيترجم إلى مالا في كذا، غير ذلك فلن أدرسه، حتى تجد من ضمن القبح في مجتمعاتنا العربية حاليا، تأتي فتاة خريجة هندسة، شاطرة وبنت كويسة جدا، لكن تقول لهم: "أنا مش طالبة معايا مرمطة الشغل وقرفه، ومدير فوق رأسي، أنا عايزة أقعد في البيت، أقرأ في التربية، أستعد إني أبقى أم شاطرة، أعمل نشاط تطوعي، أنا مش طالبة معايا مرمطة الشغل"، فتجد من ضمن الردود القبيحة عليها: طب ولماذا كنتِ تتعلمين؟... وكأن أنا يجب أن أتعلم لكي أعمل، مينفعش أتعلم علشان أثر العلم عليّ... وهذا من قبح الرأسمالية الخفي في الناس..
بينما لو أننا قلنا لوهلة أن هناك فتاة خريجة هندسة وأخرى معها ابتدائية.. من منهما ستكون أفضل كعقل؟ ومن فيهما غالبا ستكون أصلح في تربية ابنها؟ لو كانت تعلمت تعليما جيّدا؟ وعقل وقلب يعملان؟ هتبقى أكيد التي تعلمت، ففكرة الترجمة: أنا بتعلم علشان ألاقي الأثر المباشر، وإن لم أجد الأثر المباشر لن أتعلم.. فهذا خطأ فادح..
وهذا تجده فيمن يقول لماذا أتعلم C++ مع أنها غير موجودة في السوق كـ technology ، ولماذا أتعلم data base إن كنت سأعمل كـ front-end وأشياء من هذه القبيل التي تربط التعلم بالأثر المباشر...
فلا علاقة بين العلم والأثر المادي المباشر لهذا العلم، لذلك تحوّلت الدراسة إلى مجرد إجراء متعلق بالامتحانات لتحرز نجاحا بلا معرفة، ولكن الغرض الدرجات، والحصول على وظيفة، فأصبح العلم وظيفة!

وستجد وجوها من الناس -من يقرأ هذا الكلام يعرفهم- منهم ثلاثة من المشاهير، لهم موقف من عمل المرأة، ويجب أن تستحضر كل ما سبق بخصوص أن العمل هنا دلع ورفاهية وليس اضطرارا، هؤلاء الثلاثة ضد العمل، إن كنت غير فقيه ستقول ويل للزوجات التي تحتهم، لكن ما كنت أتوقعه أن هؤلاء الثلاثة كل واحد منهم زوجته على الأقل معها ماجيستير أو دكتوراة ليس فقط تحمل درجة بكالوريوس أو ليسانس وكان هذا!
لماذا؟ لأنهم ليسوا ضد أن تتعلم المرأة، بل بعض هؤلاء زوجته تحمل أكتر من درجة في أكثر من مجال! بل ويريد أن يصحبها معه في كل مجال يدرسه، لأنه يستحيل أن يكون هناك رجل تذوق العلم وأحبه ثم يمنع زوجته أن تتعلمه، بل وتجد منهم من هو نفسه يعطي معظم وقته لعلوم يدرسها لن يلمس لها أثرا ماديا، أو يعمل فيها بوظيفة، لأنه لا يربط بين التعلّم وبين الوظيفة!
هنا ننتهي من مناقشة هذه الجزئية، ولكل امرأة أمرها، والإنسان يُبيّن ما يريده في الرؤية، ولكل امرئ أن يختار، هي تختار أن تعمل وتتزوج من يرضى باختيارها، والرجل يختار من لا تعمل ويتزوجها، وكما يقولون "ربنا يهنّي سعيد بسعيده"، ونحن بلغنا ٨ مليار، فلن تجد صعوبة تماما في أن تجد واحدة توافقك في تصوراتك المتخلفة... فكل سادي يجد المازوخية التي تُعجب به وتراه أجمل رجل في الكوكب..
أعجبك المقال؟ اترك قلبًا صغيرًا
تريد العودة إليه؟ احفظه للقراءة لاحقًا

تعليقات قرّاء وَجْد ٠

كيف تريد أن يظهر تعليقك؟
٠ / ١٠٠٠
جارٍ تحميل التعليقات…