الوَجْد هو الهم الناقع

استكشف وَجْد

روابط وَجْد

وَجْدالوَجْد هو الهم الناقع
ابحث في كتابات وَجْد اكتب ثلاث حروف على الأقل للبحث في العناوين والنصوص والتصنيفات.

كيف لا أتعجّل على أكل قطعة المارشملو؟

دائماً ما أكون على عجلة من أمري في كل شيء، وقد لاحظت ذلك مؤخراً بالذات في تجربة جديدة؛ فقد أخبرني صديقي في السكن عن حَلوى جديدة لا أعرفها، تتكون من طبقة من البسكويت، ثم طبقة من النشا (المهلبية)، ثم طبقة أخرى من البسكويت، تفوقها طبقة من الجيلي، مع إمكانية إلغاء طبقة البسكويت الثانية.

أنا لا أحب المطبخ تماماً؛ لذلك كنت أقف معه وأنا أشعر بالإحراج عندما بدأ في إعدادها بمساعدة (شات جي بي تي). من المخزي أن يقوم صديقك بعمل شيء بينما تكتفي أنت بالأكل! قلت له: «في أي شيء أساعدك؟ يمكنني فتح كيس الجيلي لو أحببت، لا أحب أن أقف هكذا وأنت تقوم بتحضير شيء سنأكله معاً».

كنّا قبلها في محل يبيع الجيلي وأم علي وغيرهما، وكنت أريد شراء جيلي، لذلك اقترح عليّ هذه الحلوى، وقال لي: «أنا أتعجّب من الناس الذين يشترون هذا الجيلي؛ فإعداده لا يستغرق بضع دقائق!»، فقلت له: «كل الناس يشترونه». فقال لي: «المرأة التي تفعل ذلك تكون امرأة لم تُربَّ جيدا!» أو شيئاً قريباً من ذلك، فضحكت. وكلما خرجت لشراء الجيلي أتذكر هذا الموقف وأضحك، وحتى عندما وقفنا وكان هناك نساء في المحل، كنت أريد أن أقول له: « هؤلاء هنّ المقصودات!». طبعاً هو بالغ من باب المزاح، لكنه يرى أن الأمر لا يستغرق دقائق، فلمَ تلجأ إحداهنّ لشراء الجاهز بدلاً من صنعه؟ قال: «هؤلاء هنّ النساء اللاتي يذهبن إلى العمل ثم لا يجدن أمامهنّ وقتاً إلا لشراء الجيلي الجاهز». على العموم، كان هذا رأيه، فإنِ كُنْتِ تقرئين مقالي هذا وأنتِ من شاريات الجيلي فلا تحزني؛ فالأمر هيّن.

بعد أن قام بإعداد طبقة البسكويت ووضع طبقة النشا بعد طهيها، حان وقت وضع الصينية في الثلاجة والانتظار قليلاً قبل وضع طبقة الجيلي. لكن يبدو أن صديقي كان في عجلة من أمره هو الآخر، فوضع طبقة الجيلي قبل أن تبرد الطبقة التي قبلها، فاختلطت الطبقتان ببعضهما، وكان شكل الحلوى ليس على ما يرام.

يقولون: «إن العين تأكل قبل الفم»، وهذا المثل أؤمن به جداً؛ فإن كان الطعام ليس حسناً في شكله، فلن تستسيغ نفسك الاقتراب منه. لكنني حاولت وأنا في تردد أن أتذوق، وكان الطعم جميلاً حقّاً رغم اختلاط الطبقات! يبدو أن هذا كان اختراعاً، ولو صبرنا عليه لكان أفضل. يضربون المثل دائماً بأن من يقطف ثمرة الفاكهة قبل نضجها لن يستفيد منها، فلمَ يتعجّل الإنسان قطف الثمرة؟!

ذهبت إلى البيت وطلبت منهم إعداد نفس الحلوى لأنني هويتها. لو تدرون، فأنا أكره الحلويات كلها؛ لو ذهبت إلى محل الحلويات لاختيار علبة، فأنا أكره الكنافة والبسبوسة والهريسة والجاتوه والتورتة، باستثناء بلح الشام فقط. أما هذا النوع من الحلويات —الذي لا أدري إلى أي فئة ينتمي، كالجيلي وأم علي وغيرهما— فقد هويته وأحببته؛ لذلك فهذه التركيبة من الجيلي والنشا تركيبة محببة للنفس.

لكنهم لاحظوا في البيت أنني لا أصبر بعد إعدادهم لهذه الوصفة حتى تبرد بضع ساعات وتتماسك، وكنت أريد أن آكل منها مباشرة. وكان من المضحك أنهم شبهوني بطفل عندنا في العائلة فيه شبه مني؛ فهو لا يصبر على الشيء أبداً، ونحن نشبه بعضنا شكلاً وصِفَة، كما أنني عندما أشتري أشياء كثيرة من السوبرماركت لتخزينها لبضعة أيام، لا أصبر حتى آكلها في حينها، وكذلك هو!


المهم أنني وصلت إلى فكرة خبيثة؛ وهي أن يقوموا بعمل الحلوى في الليلة التي أعود فيها من السفر بحيث لا أنتظر وأقوم بأكلها مباشرة؛ لأنهم عندما يقومون بعملها في وجودي لا أستطيع النوم حتى تبرد وأتذوقها في اليوم نفسه. ولكن لم ينجح الأمر تماماً؛ فهم لا يأبهون بي، ويقولون: «سنقوم بعملها وأنت موجود». فأخذت أقصر الطرق، وأصبحت أشتري الجيلي كأي شخص «ما تربّاش» كما قال صديقي! لأنني لا أصبر بضع دقائق، ليس فقط على عمله، بل حتى يبرد وآكل منه. ألهذه الدرجة أنا شخص غير صبور؟! ألهذه الدرجة أنا مستعجل للثمرة؟!

كانت هناك تجربة يجريها الباحثون للأطفال وهم صغار، وهي أن يعطوهم قطعة مارشملو ويقولوا لهم: «لا تأكلوها الآن»، ويتركوهم لفترة، مع وعد بأنهم إن لم يأكلوها فسيحصلون على ضعفها. فكان هناك أطفال يستطيعون التماسك لأجل الهديّة المضاعفة، وأطفال آخرون بمجرد أن يبتعد البحاث يأكلون قطعة الحلوى فوراً. يقولون إنهم تتبعوا هؤلاء الأطفال بعدما كبروا، والذين صبروا على أكل المارشملو كانت حياتهم أفضل بطبيعة الحال، وإن كانت هذه النتائج أصبحت محل شكوك بعد ذلك لتداخل العوامل. 

حضرتك من هذه التجربة يمكنك أن تتوقع من سأكون بينهم؛ أكيد من يأكل الحلوى ولا يصبر! أنا على هذه الحال وأنا كبير، فهل سأكون صبوراً وأنا صغير؟ كما أن مستقبلي يقول أنه لم يصبح أفضل! ربما لو كنت طفلا لأكلت قطعة المارشملو قبل أن يخرج الباحث من الغرفة، بل قبل أن يخبرني بعرضه المغري في أخذ قطعة إضافية! 


ولكن، ما الحل؟ كيف لا أتعجّل على أكل قطعة الحلوى؟

أعجبك المقال؟ اترك قلبًا صغيرًا
تريد العودة إليه؟ احفظه للقراءة لاحقًا

تعليقات قرّاء وَجْد ٠

كيف تريد أن يظهر تعليقك؟
٠ / ١٠٠٠
جارٍ تحميل التعليقات…