فيما يخص أمر النية وتعدادها وبعض الأمور الأخرى، كنت أتكلم مع صديق بعد الطوفان وما حدث على إثره، ووقتها تطرقنا لعدة مواضيع، منها: نقطة الحكم على الناس والسخرية منهم، وبغضي لشخص بعينه؛ وهو ممن يدعي أنه منافح عن القضية، وهاجر لأسباب تتعلق بالفقراء وأمور أخرى ليس هذا مَعرِض الحديث عنها. لكنه سخر من الموجة التي ظهرت وتقول: "نريد فتح الحدود وتحرير فلسطين"، وبدلًا من أن يبرر كلامهم بأنه مدفوع بالعاطفة أو بأي شيء من ذلك؛ اتهمهم في نيّتهم، وقال: "حاولوا أن تذهبوا إن كنتم صادقين، ومن أراد أن يصل سيصل"، وبعض الكلام الفاضي الذي لا قيمة له.
والشاهد من هذا الأمر أنني أردت الوقوف على شيء، وهو أن هذا الكلام فعلًا غير منطقي بالشكل الحالي، وحتى إن حدث فلن يحل إشكالًا. فأنت متحمس بقدر ما.. لكن هل تعرف جغرافيا المكان الذي أنت ذاهب إليه؟ هل أنت تلقيت تدريبًا من قبل؟ هل نشأت في وضع مشابه؟ هل تعلم أن غزة فيها مجاهدون وفيها مدنيون؟ هل وصل إلى علمك أنهم في حاجة إلى أفراد يجاهدون معهم؟
كل هذه أسئلة إن طرحتها تبيّن لك جانبًا من المعضلة، ووقتها من يعرف هذه التفاصيل لن يخطر بباله نقطة: "افتحوا الحدود يا مصاروة باش نحرر فلسطين".. لكن ربما في هذا رحمة له، فيؤجر على نيّته وعزمه وصدقه، والله أعلم.
ووقتها قلت لصديقي: "أنا أعرف جيدًا أن لو الحدود مفتوحة لن أذهب"، فبالتالي لا أستطيع ادّعاء أنني أريد كذا وكذا وأنني مأجور على ذلك، وهذا تابع لمعرفتي الضئيلة بتفاصيل الأمر، ومن ظن أن الأمر بهذه البساطة ربما كُتب من المجاهدين.
ثم تأتي لتأكيد ذلك رواية رواها الدكتور أحمد أبو الفتوح، وقد وقعت قديمًا والعهدة عليه؛ إذ قال إن هناك شبابًا تحمّسوا وخرجوا فعلًا وذهبوا للحدود للدخول إلى فلسطين، ولكن قبل ذلك وقف معهم ضابط وظل يشرح لهم الوضع، وفي النهاية اقتنعوا بكلامه وعادوا من حيث ذهبوا..
إذًا الأمر ليس مجرد كلام أو ادّعاء فقط.. بل هناك من أخذ إجراءً من قبل.. إجراءً بناءً على صدق نيّته المبنية على معطيات مختلفة ربما لا توافق الواقع الخارجي، لكن النهاية النية هي القصد، وقد قصدوا الله والشهادة في سبيله غيرة على دينه، فهذا هو موضع الشاهد، وهو غير متحقق في حالتي. ولو كانت النية بالقول بأنني أنوي كذا لنويت، أو بالتذكير لتذكرت.
وقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبدٍ رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علم؛ لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء".
كنت أتناقش مع صديق حول الحديث السابق وأقول له: لو نظرت إلى أحد ثري ينفق ماله في الحلال؛ فلا أستطيع أن أقول: "لو رزقني الله مالًا لعملت مثل عمل فلان"، ليس لأنني أريد أن أنفق مالي في الحرام بالتأكيد، ولكن لأنني لا أتصوّر أبدًا أنني سأصير ثريًّا ولم يخطر الأمر ببالي. ونعم، في الحديث توجيه متعلق بأنك فقير ولست غنيًّا، وليس من شرطه أن تظن أنك ستصبح غنيًّا لكي تتمنى في الوقت الحالي أنك لو صرت لتمنيت أن تنفقه في الحلال، لكن الفكرة -دون فلسفة مني لا قيمة لها- أنني لا أتخيّل ذلك، فأشعر أنني أمثّل وأنا أقول ذلك في نفسي. والحقيقة أنني أعامل الله.. فإن عاملته سبحانه وتعالى عاملته بصدق وبحسن قصدي.. نعم، ربما أنتبه لنقطة المال فيما بعد، أو ربما أنظر إلى شخص سفيه ينفق ماله في الحرام فأقول: "لو كان لي ماله لأنفقته في كذا وكذا من الحلال".. نعم، قد يأتي ذلك، لا أقول إن الأمر أُغلق، لكن الفكرة أنني لا أشعر ذلك لعدم تفكيري في المال أو الثراء بهذه الطريقة، وعدم تطلبي لذلك، وعدم وصول خيالي نفسه إليه.. الأمر متعلق بالشخصية أكثر.. لكن أنا أحب العلم، ربما لو قلت: "لو كان عندي علمٌ كفلان لفعلت وفعلت"، فلعلي أكون صادقًا في ادّعائي هذا وفي نيتي وقصدي هنا عن مثال المال.
ما الهدف من كل هذه التوطئة؟ الهدف أن النية والقصد فيهما جانب من موافقة الحال وتحقق القصد الحقيقي بداخلك، يعني أمر أن تقول: "هذه خمس عشرة نية للمذاكرة في ورقة جاهزة هاتها نقرأها".. وأنت في داخلك لا تقنع بكل هذه الأمور.. فما القيمة؟ هل النية أن تقرأ ورقة تحمل عددًا من النيات؟ أم النية هي قصدك الحقيقي لشروعك في العمل؟
وسأضرب مثالًا للتبسيط: لو أنك شرعت في المذاكرة، وكل نيّتك هي الكسب المادي من ورائها، وهذا الكسب سيترتب عليه أمور؛ وهي ألا تتكفف الناس ولا تكون ذا حاجة، وإن كان عندك أسرة أو عيال تنفق عليهم، فتكون مذاكرتك من أجل إعفاف نفسك بالزواج (لأنه لا يتأتى إلا بعمل)، وكذلك بالسعي على العيال وهي أفضل الصدقة.
هذه النيّات بالأعلى تستخرجها من نفسك دون تكلّف، أو ربما لو قرأت ورقة تحمل عشرين نية تجد واحدة منها تتوافق مع حالك، أو ربما تجد عملك غير خالص فتحاول مع نيّتك التي لن تتغيّر بزر بالطبع. الشاهد هنا: ماذا لو كانت الورقة مكتوبًا فيها: "نصرة الأمة" مثلًا..
أنت أصلًا لا تعرف كيف ستنصر الأمة بهذه المذاكرة.. الأمر يتعلق بـ "بما أن.. إذن"، بما أنني أذاكر؟ إذن أنصر الأمة! هناك جزء من النص مفقود.. قد تكون هذه النية تنفع لغيرك لكنها لا تتماشى معك، وكان الأحرى بك أن تنوي نية حقيقية كالسعي على العيال وعدم تكفف الناس، بدلًا من نية عائمة كنصرة الأمة وأنت نفسك لا تعلم كيف ولا ما علاقة المذاكرة بنصرة الأمة..
وهذا تجده مثلًا فيمن اختار طريق الطب، يظل منذ الطفولة إلى الجامعة يقول لك: "أريد أن أساعد الناس، أن أداوي الجرحى، أن أخفف عنهم"، ثم تسأله: في أي شيء تخصصت يا دكتور حسام؟ يقول لك: "في النفخ والشفط ونحت القوام بدون عمليات"، طيب يا دكتور حسام انت كدا ساعدت الناس ونصرت الأمة ازاي، بنحت القوام بالـ Photoshop؟! اللي عايز أوصل له إنك بتعامل ربنا، فمتتكلفش نيّة، حاول نيّتك تكون موافقة لطبيعة حياتك. وأرجو ألا يُفهم كلامي بشكل خاطئ هنا، ما أقصده أن المذاكرة أمر دنيوي مباح، أنت تريد أن تحوله إلى عبادة بالنية، كل المطلوب منك أن تنوي نيّة منطقية موافقة لحالك.. وإن كانت نيّتك دخيلة فهذا أمر آخر ليس المقصود هنا.
تعليقات قرّاء وَجْد ٠
سجّل الدخول بحساب Google لتكتب تعليقًا، ثم اختر الظهور بحسابك أو كمجهول.